— تواجه إيران أعنف اضطرابات داخلية منذ الثورة الإسلامية عام 1979، بعدما تحولت احتجاجات واسعة اندلعت بسبب الانهيار الاقتصادي وتراجع قيمة العملة إلى انتفاضة مستمرة، جوبهت بحملة قمع ذات طابع عسكري غير مسبوق.
ويقول مراقبون دوليون ومنظمات حقوقية إن الأزمة دخلت مرحلة حرجة، تتسم بسقوط أعداد كبيرة من القتلى واعتقالات واسعة النطاق وانقطاعات شبه كاملة للمعلومات.
وانطلقت الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025 عقب التراجع الحاد في قيمة الريال وارتفاع أسعار الغذاء، ما أدى إلى تظاهرات في كبرى المدن. وما بدأ احتجاجات ذات طابع اقتصادي تطور لاحقًا إلى تمرد واسع مناهض للحكومة يتحدى سلطة قيادة الجمهورية الإسلامية.
المرشد الأعلى يقر بسقوط آلاف القتلى
وفي اعتراف علني نادر في 17 يناير، قال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إن الاضطرابات أسفرت عن مقتل «عدة آلاف» من الأشخاص.
وحمل خامنئي المسؤولية لما وصفهم بـ«المشاغبين والعملاء المدعومين من الخارج»، متهمًا إياهم بمهاجمة مؤسسات الدولة وإحراق أكثر من 250 مسجدًا ومنشأة طبية.
ويمثل ذلك أول اعتراف رسمي بحصيلة قتلى بهذا الحجم، بعد أسابيع من إنكار أو تقليل حجم عمليات القتل الجماعي.
منظمات مستقلة تشير إلى أرقام أعلى
وترسم منظمات حقوق الإنسان صورة أكثر قتامة.
وتقول وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) إنها وثقت مقتل 3090 شخصًا، بينهم 2885 متظاهرًا، استنادًا إلى هويات مؤكدة ومواقع دقيقة وشهادات شهود عيان، كما أفادت باعتقال أكثر من 18100 شخص خلال الأسبوعين الماضيين.
وتقدر وسائل إعلام أخرى، من بينها إيران إنترناشيونال وشبكة سي بي إس، نقلاً عن مصادر داخل البلاد، أن العدد الإجمالي للقتلى قد يتراوح بين 12 ألفًا و20 ألفًا، نتيجة اشتباكات عنيفة وقعت خلال قطع شامل للإنترنت بين 8 و15 يناير.
وقالت منظمتي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إنهما تواصلان توثيق الانتهاكات، وأكدتا سقوط «مئات» القتلى عبر أدلة مصورة وسجلات طبية وشهادات عائلات.
أساليب عسكرية واعتقالات داخل المستشفيات
وتشير منظمات حقوقية إلى تصعيد حاد في أساليب التعامل الأمني.
ووفقًا للعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، استخدمت القوات الأمنية الذخيرة الحية وطلقات معدنية ضد متظاهرين غير مسلحين في ما لا يقل عن 13 مدينة.
وأفادت شهادات ومصادر طبية بأن وحدات أمنية دخلت مستشفيات في طهران وشيراز لاعتقال متظاهرين مصابين، وهي ممارسة وصفت بأنها انتهاك للمعايير الإنسانية الدولية.
ووصف مراقبون إقليميون أحداث أوائل يناير بأنها «مجازر إيران 2026»، في إشارة إلى تركّز أعداد القتلى خلال فترة انقطاع الاتصالات.
واشنطن تتخذ موقفًا تصعيديًا
وأثارت الأزمة رد فعل مباشر وغير معتاد من الولايات المتحدة.
ففي 13 يناير، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة «تروث سوشيال» «الوطنيين الإيرانيين» إلى «مواصلة الاحتجاج» و«السيطرة على مؤسساتهم».
وألغت واشنطن منذ ذلك الحين جميع الاتصالات الدبلوماسية مع طهران، مؤكدة أن أي محادثات لن تُستأنف ما لم يتوقف «القتل العبثي للمدنيين».
وفي 12 يناير، فرضت الولايات المتحدة تعريفة ثانوية بنسبة 25% على أي دولة تواصل التعامل التجاري مع إيران، بما في ذلك الصين والهند وتركيا.
كما أكد مسؤولون في البيت الأبيض أن خيارات عسكرية، من بينها ضربات جوية، لا تزال مطروحة في حال إقدام السلطات الإيرانية على تنفيذ إعدامات جماعية بحق متظاهرين محتجزين.
احتواء مؤقت للاحتجاجات واستمرار التوتر
وحتى 17 يناير، تشير تقارير من طهران إلى احتواء مؤقت للتظاهرات الواسعة بعد حملة القمع.
ولا تزال طائرات مسيرة أمنية تحلق فوق العاصمة، فيما يصف السكان أجواءً شديدة التوتر.
وبدأت السلطات إعادة تدريجية لخدمات الإنترنت، بدءًا بإتاحة محدودة للرسائل النصية، دون استعادة كاملة للاتصال.
ويحذر ناشطون من أن الغضب الشعبي لا يزال واسعًا، وأن موجات احتجاج جديدة مرجحة فور عودة الاتصالات بشكل كامل.
تقديرات متباينة لحصيلة القتلى
| المصدر | عدد القتلى المقدر | ملاحظات |
|---|---|---|
| الحكومة الإيرانية | «عدة آلاف» | تلقي اللوم على المشاغبين |
| هرانا | 3090 موثقًا | هويات ومواقع مؤكدة |
| إيران إنترناشيونال / CBS | 12,000–20,000 | مصادر داخلية |
| العفو الدولية | مئات موثقون | توثيق مستمر |
أزمة عند مفترق طرق
ومع سقوط آلاف القتلى واعتقال عشرات الآلاف وتدهور الاقتصاد، يرى محللون أن إيران تواجه أخطر أزمة شرعية داخلية منذ نحو خمسة عقود.
ويبقى السؤال المحوري ما إذا كانت السلطات قادرة على فرض السيطرة دون مزيد من العنف الجماعي، أم أن الاحتجاجات ستتجدد مع عودة شبكات الاتصال.
وفي الوقت الراهن، تقف إيران عند مفترق طرق بالغ الخطورة، بينما يراقب العالم صراعًا لا يزال يتكشف خلف جدران رقمية رُفعت جزئيًا فقط





