لم تعد معركة التأثير في مالي تعتمد وحدها على بيانات عسكرية وتسجيلات لقادة يحملون السلاح. فشخصيات مصطنعة تظهر على الشاشات، وصور مولدة آليا، ورسائل يمكن إنتاجها بلغات متعددة، باتت تفتح ساحة جديدة للصراع على الجمهور والرواية.
وحذر معهد تمبكتو، في تقرير بعنوان «خوارزميات في الحرب: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي تشكيل الصراع المالي»، من احتمال تحول البلاد إلى مختبر لحرب معلوماتية تستعين بهذه الأدوات، مع تفاوت واضح بين الاستخدامات المرصودة والقدرات التي ما زالت محتملة. ونشر المعهد عرض التقرير على موقعه في 8 سبتمبر/أيلول 2026.
ويبحث التقرير نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة، والمحتوى المؤيد لجبهة تحرير أزواد، إضافة إلى المنظومة الإعلامية الروسية. وهذه أطراف تختلف في هويتها وأهدافها، ولا يعني استخدامها أدوات متشابهة انتماءها إلى مشروع سياسي أو أيديولوجي واحد.
وبحسب العرض الرسمي، لا يزال استخدام نصرة الإسلام والمسلمين محدودا، بينما يظهر المحتوى المؤيد لأزواد بصورة أكثر لامركزية، ويرى الباحثون أن الاستخدام الأكثر تطورا يتمثل في الحملات المرتبطة بروسيا.
وبالنسبة إلى نصرة الإسلام والمسلمين، ينطلق التحليل من مواد بصرية رأى الباحثون أنها تحمل مؤشرات على التوليد بالذكاء الاصطناعي. لكن أهمية هذه الخطوة، في تقديرهم، تتجاوز الملصق نفسه إلى إمكانية خفض كلفة إنتاج الدعاية وتسريع نشرها.
وتشير تغطية «تي في 5 موند» للتقرير إلى أن الباحثين يتوقعون إمكان استخدام الترجمة الآلية لإيصال الرسائل إلى جمهور أوسع من المتحدثين بلغات الساحل، وإنتاج مواد صوتية ومرئية تصل إلى من لا يتابعون المنشورات المكتوبة.
غير أن هذه الاحتمالات لا تعني أن الجماعة أنشأت بالفعل منظومة متكاملة للتجنيد الآلي، أو أنها تحقق المستوى نفسه من الجودة في مختلف اللغات المحلية. فما يعرضه التقرير في هذا الجانب هو تقدير لما قد تتيحه التقنية مع اتساع استخدامها.
وفي حالة جبهة تحرير أزواد، يركز التحليل على حسابات تنشر شخصيات مولدة بالذكاء الاصطناعي تروج لروايات مؤيدة لأزواد. وتكمن جاذبية هذه الشخصيات في قدرتها على الظهور بصورة مألوفة، بما قد يمنح الرسائل السياسية طابعا شخصيا ويخلق انطباعا باتساع التأييد الشعبي.
لكن نسبة هذا المحتوى إلى الجبهة مباشرة تظل مسألة مختلفة عن رصد رسائل مؤيدة لها. فالأدوات متاحة لمناصرين وأفراد يمكنهم إنتاج مواد ونشرها دون تكليف تنظيمي، وهو ما يجعل تحديد الجهة التي تدير الحسابات وتمولها ضروريا قبل الجزم بالمسؤولية.
ولا يتوقف التقرير عند الفاعلين المحليين؛ إذ يشير عرضه الرسمي إلى حملات مرتبطة بروسيا تجمع بين محتوى مولد وحسابات زائفة وأساليب لتوسيع الانتشار، مستشهدا بنشاط «أفريكان إنيشيتيف» وعملية «AI-Freak». وتبقى هذه الخلاصات منسوبة إلى تقييم المعهد.
وتطرح هذه التطورات تحديا يتجاوز اكتشاف الصورة المزيفة: كيف يميز الجمهور بين التأييد الحقيقي والتأييد المصطنع، وبين متحدث موجود فعلا وشخصية لا وجود لها خارج الشاشة؟
فوفرة المحتوى لا تثبت نجاح التجنيد، كما أن عدد المشاهدات لا يقيس وحده التأثير السياسي. لكن انخفاض كلفة الإنتاج يجعل إغراق المنصات برسائل متكررة أسهل، ويزيد العبء على الصحفيين والباحثين والجمهور للتحقق من مصدرها.
وفي بلد تتنافس فيه أطراف مسلحة على الأرض والشرعية، تصبح معرفة من يتحدث، ولصالح من، وبأي أدوات، جزءا أساسيا من فهم الحرب نفسها.





