صُممت الخدمة لربط المناطق المعزولة بالعالم، لكنها منحت جماعات مسلحة وشبكات تهريب قدرة على الاتصال من قلب الصحراء، والتنسيق بين وحداتها، ونشر دعايتها بعيدا عن شبكات الاتصالات التي تستطيع الحكومات مراقبتها. وبين قطع الخدمة وتقنينها، تواجه دول الساحل معضلة: كيف تحرم المسلحين منها من دون إعادة ملايين المدنيين إلى العزلة؟
في صحراء تمتد على آلاف الكيلومترات، قد تكون قطعة المعدات الأكثر تأثيرا في حركة جماعة مسلحة ليست بندقية أو طائرة مسيّرة، بل طبقا أبيض صغيرا يمكن نقله في سيارة رباعية الدفع وتشغيله بعيدا عن أبراج الاتصالات والمدن.
تتكون مجموعة «ستارلينك» من هوائي وقاعدة ومصدر كهرباء وأسلاك وجهاز توجيه للإنترنت. ويكفي تشغيلها في منطقة مكشوفة للحصول على اتصال عبر شبكة من الأقمار الصناعية ذات المدار الأرضي المنخفض، من دون الاعتماد على البنية التحتية المحلية.
هذه الميزة جعلت الخدمة حلا مهما للقرى والتجار والمنظمات الإنسانية في مناطق الساحل المحرومة من الإنترنت. لكنها جعلتها أيضا أداة جذابة للجماعات الجهادية والحركات المتمردة وشبكات التهريب التي تعمل في الأماكن نفسها.
ويقول تقرير للمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية إن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة في منطقة الساحل وتنظيم الدولة في غرب أفريقيا تستغل أجهزة «ستارلينك» لتعزيز قدراتها التشغيلية، بينما تستخدمها شبكات إجرامية لإدارة أنشطتها والإفلات من المراقبة في المناطق التي تغيب فيها شبكات الهاتف أو تصبح غير موثوقة.
نهاية العزلة التي كانت تعوق المسلحين
اعتمدت الجماعات المسلحة في الصحراء لسنوات على هواتف الأقمار الصناعية وأجهزة اللاسلكي والرسل البشريين. وكانت هذه الوسائل مكلفة أو محدودة أو قابلة للاعتراض وتحديد الاتجاهات، كما كان انقطاع شبكات الهاتف يدفع المقاتلين إلى الاقتراب من المدن أو المرتفعات للحصول على إشارة.
غيرت «ستارلينك» جزءا من هذه المعادلة.
فالجهاز يمنح مجموعة موجودة في عمق الصحراء شبكة محلية يستطيع عدد من الأشخاص الاتصال بها في الوقت نفسه. ومن خلالها يمكن استخدام تطبيقات مراسلة مشفرة مثل واتساب وسيغنال، وإرسال الصور والخرائط والملفات الكبيرة وإجراء المكالمات عبر الإنترنت.
وبذلك لم يعد الموقع المعزول يعني بالضرورة وحدة معزولة عن قيادتها.
ويتيح الاتصال السريع للجماعات تبادل المعلومات بين نقاط متباعدة، وإبلاغ الوحدات بتحركات القوات، وتحديث مساراتها وتنسيق بعض العمليات في وقت أقرب إلى الزمن الحقيقي. كما يساعد القيادات على البقاء بعيدة عن المراكز السكانية، حيث يكون وجودها أكثر عرضة للرصد البشري أو التقني.
لكن الأدلة المتاحة لا تسمح بالقول إن «ستارلينك» وحدها أصبحت نظام قيادة وسيطرة متكاملا لكل جماعات الساحل، أو إنها تُستخدم في كل هجوم متزامن. المثبت هو أنها حسّنت الاتصال الميداني وقللت اعتماد مستخدميها على الشبكات الوطنية، بما يمنح المسلحين والمهربين أفضلية عملية في مناطق تعاني فيها القوات الحكومية نفسها من ضعف التغطية.
ولخص دركي نيجري يعمل في أغاديز هذا الاختلال بقوله إن المسلحين يعرفون الصحراء أفضل من القوات الحكومية، ومع «ستارلينك» يظلون متصلين دائما، «كأنهم يرون جميع التحركات بينما نظل نحن نخمن».
من إدارة المعركة إلى صناعة الرواية
لا تقتصر أهمية الإنترنت الفضائي على الاتصال بين المقاتلين. فالصورة أصبحت جزءا من المعركة نفسها.
في السابق، كان نقل تسجيل مصور من منطقة نائية إلى فريق إعلامي يتطلب حمله إلى مدينة تتوفر فيها شبكة جيدة، أو ضغطه وتقليل جودته، أو الانتظار ساعات لإرساله. أما الاتصال السريع فيسمح برفع مقاطع عالية الدقة ونشر البيانات والصور بعد وقت قصير من الحدث.
ويساعد ذلك الجماعات على تقديم روايتها قبل الحكومات، والمبالغة في نتائج عملياتها، واستعراض الأسلحة والغنائم، وإيصال رسائلها إلى المجتمعات المحلية والداعمين المحتملين.
وظهر جهاز «ستارلينك» في يونيو/حزيران 2024 ضمن تسجيل بثته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين عن عملية في منطقة فيتيلي بولاية غاو ضد قائد في تنظيم الدولة بالساحل. كما قالت قوات أمنية نيجرية إنها ضبطت أجهزة خلال عمليات ضد جماعات مسلحة في منطقتي تيلابيري وتاوا.
ويعني ذلك أن الجهاز قد يكون في آن واحد وسيلة اتصال ميداني وغنيمة حرب ودليلا على الشبكة اللوجستية التي تزود الجماعة بالمعدات.
معركة تينزاواتين.. الإنترنت في قلب المواجهة
لم يقتصر الاستخدام على الجماعات الجهادية. فقد اعتمدت حركات أزوادية مسلحة في شمال مالي على «ستارلينك»، كما تستخدمه القوات المسلحة المالية.
وخلال معركة تينزاواتين في يوليو/تموز 2024، قالت المبادرة العالمية إن مقاتلي الإطار الإستراتيجي الدائم، الذي انضوى جزء منه لاحقا في جبهة تحرير أزواد، استخدموا الخدمة للمحافظة على الاتصال بين وحداتهم المتفرقة وتبادل المعلومات ونشر تحديثاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال القتال مع الجيش المالي ومقاتلي فاغنر.
تكشف هذه الواقعة أن التقنية ليست «سلاح جماعة» بعينها. فالجهة التي تستطيع شراء الأجهزة وتأمين الكهرباء والاشتراك وحماية موقع التشغيل يمكنها الاستفادة منها، سواء كانت جيشا نظاميا أو حركة انفصالية أو جماعة جهادية أو شبكة لتهريب البشر والبضائع.
وهذا ما يجعل «ستارلينك» جزءا من التحول الأوسع في الحروب غير المتكافئة: التكنولوجيا التجارية الرخيصة تمنح الفاعلين غير الحكوميين بعض القدرات التي كانت قبل سنوات حكرا على الجيوش والمؤسسات الكبرى.
طريق الطبق الأبيض من نيجيريا وليبيا
وراء الاستخدام الميداني شبكة إمداد تمتد عبر الحدود الصحراوية.
قبل الترخيص الرسمي للخدمة في النيجر خلال مارس/آذار 2025، كانت أجهزة مسجلة أو مشتراة في نيجيريا تدخل عبر الممر الجنوبي إلى مارادي وزيندر، ثم تتجه إلى نيامي وأغاديز ومناطق أخرى.
وبحسب خريطة أعدتها المبادرة العالمية استنادا إلى مقابلات مع تجار في فبراير/شباط 2025، تمثل مارادي وزيندر مركزين رئيسيين للتخزين والتوزيع. ومنهما تنتقل الأجهزة إلى مناطق في تيلابيري وتاوا أو عبر نيامي باتجاه ميناكا وغاو في مالي.
ويمتد مسار شرقي من زيندر أو مدينة مايدوغوري النيجيرية عبر ديفا إلى حوض بحيرة تشاد، حيث يشارك تجار متنقلون وأصحاب قوارب في نقل الأجهزة والسلع إلى جماعات مسلحة، بينها تنظيم الدولة في غرب أفريقيا.
أما المسار الشمالي فيبدأ من جنوب غرب ليبيا، ويمر عبر مواقع صحراوية مثل جادو وديركو قبل الوصول إلى أغاديز، ومنها تتحرك الأجهزة شمالا نحو أرليت أو تينزاواتين.
وتستخدم الشبكات طرقا غير معبدة ودراجات نارية ومسارات التفافية، وغالبا تتحرك بعد حلول الظلام. وعندما تتكثف الدوريات على طريق، تنقل نشاطها إلى طريق آخر.
ولا يقتصر ربح المهربين على بيع المعدات. فبعضهم يحتفظ بالسيطرة على حسابات الاشتراك، ويتلقى الرسوم الشهرية عبر وسطاء من مستخدمين لا يملكون حسابات مصرفية أو بطاقات دفع دولية، وبذلك تتحول الخدمة إلى مصدر دخل مستمر داخل الاقتصاد غير الرسمي.
ولم أجد في تقرير المبادرة العالمية ما يثبت الاقتباس المتداول والمنسوب إلى ضابط جمارك في ديفا بأن مقابل كل جهاز يُضبط «تعبر 10 أجهزة أخرى». لذلك لا يصح تقديم هذه العبارة بوصفها تصريحا موثقا.
ثغرة التجوال والهوية
ساعدت اشتراكات التجوال في انتشار الأجهزة خارج البلدان التي اشتريت أو فُعّلت فيها. فقد أمكن لبعض المستخدمين شراء الجهاز وتسجيله في دولة تتوفر فيها الخدمة، ثم تشغيله أثناء التنقل أو داخل دولة مجاورة.
ويحتاج الاشتراك رسميا إلى بيانات هوية ووسيلة دفع، لكن معد تقرير المبادرة العالمية قال إن شبكات التهريب استغلت ثغرات وضعف التدقيق في هويات المشتركين، وإن بعض المستفيدين النهائيين كانوا شبكات جهادية.
وقد يسجل الوسيط عشرات الأجهزة بأسماء أشخاص أو شركات، بينما تذهب الأجهزة الفعلية إلى مستخدمين لا يظهرون في السجلات. ويعقّد ذلك مهمة تحديد المسؤول عن الجهاز، حتى عندما يمكن معرفة الحساب الذي دُفع الاشتراك من خلاله.
هل تجعل «ستارلينك» المسلحين غير مرئيين؟
لا تجعل الخدمة مستخدميها غير قابلين للتعقب، لكنها تغير طبيعة المراقبة.
كانت أجهزة الأمن تستطيع اعتراض بعض الاتصالات المحلية أو تحليل حركة الهاتف وربطها بأبراج محددة. أما «ستارلينك» فيتجاوز مشغلي الاتصالات الوطنيين وينقل البيانات عبر اتصال فضائي، بينما قد تضيف تطبيقات المراسلة تشفيرا بين طرفي المحادثة.
وهذا يقلل قدرة السلطات المحلية على مراقبة المحتوى بالطرق التقليدية، لكنه لا يجعل الجهاز شبحا تقنيا. فالهوائي يحتاج إلى كهرباء ورؤية مناسبة للسماء، ويمكن رصده بصريا أو عبر مصادر استخباراتية أخرى. كما تملك الشركة بيانات عن الحساب والجهاز ومناطق تشغيله، ويمكنها تقنيا تقييد الخدمة جغرافيا أو تعطيل أجهزة محددة في ظروف معينة.
لذلك، الأدق القول إن «ستارلينك» يصعّب الاعتراض على الأجهزة الأمنية التي لا تملك تعاونا تقنيا مع الشركة أو قدرات متقدمة، وليس إنه يمنع التتبع بصورة مطلقة.
التقنين بدلا من الحظر
اختارت النيجر وتشاد في مارس/آذار 2025 ترخيص «ستارلينك»، على أمل إخضاع الأجهزة للتسجيل وتقليص السوق السرية. ونقل تقرير المبادرة العالمية عن مسؤول أمني في زيندر قوله إن الترخيص سيساعد السلطات على تنظيم استخدام تقنية كانت تدخل البلاد بصورة غير خاضعة للرقابة.
ويعكس القرار اعترافا بأن الحظر الكامل لم يمنع وصول الأجهزة، بل دفع تجارتها إلى شبكات التهريب وحرم السلطات من رؤية أوضح للمشتركين.
لكن التقنين لا يلغي السوق غير المشروعة. فالجماعات المسلحة وشبكات الجريمة لديها مصلحة في استخدام أجهزة وحسابات لا تظهر في السجلات الحكومية.
معضلة قطع الخدمة
يمكن للحكومات مطالبة «سبيس إكس» بتحديد مناطق لا تعمل فيها الأجهزة غير المصرح بها، أو تعطيل حسابات مرتبطة بجماعات مسلحة. غير أن تطبيق حظر جغرافي واسع قد يعاقب المدنيين أيضا.
ففي مناطق كثيرة من شمال مالي والنيجر وتشاد، يعتمد التجار والسكان والمنظمات الإنسانية على الاتصال الفضائي بسبب غياب البديل. وقطع الخدمة عن إقليم كامل قد يعيد المجتمعات إلى العزلة، ويضر بالاقتصاد المحلي والإنذار المبكر والاستجابة للطوارئ، وربما يمنح الجماعات المسلحة مادة دعائية ضد الحكومات.
لذلك، تبدو المقاربة الأكثر واقعية قائمة على تسجيل الأجهزة والتحقق الصارم من هوية أصحاب الحسابات، ومراقبة المشتريات الجماعية والتحويلات غير المعتادة، وتبادل بيانات الأجهزة المسروقة أو المهربة مع الشركة، واستهداف الحسابات والمعدات المحددة بدلا من فرض انقطاع شامل.
كما تحتاج دول نيجيريا والنيجر وتشاد ومالي وليبيا والجزائر إلى تبادل المعلومات بشأن مسارات الأجهزة والوسطاء، لأن ضبطها في دولة واحدة لا يوقف شبكة تتحرك عبر حدود صحراوية مفتوحة.
التكنولوجيا لا تختار مستخدمها
تكشف قصة «ستارلينك» في الساحل مفارقة يصعب حلها: التقنية التي تمنح قرية نائية طبيبا عن بعد، وتسمح لتاجر بالتواصل مع السوق، وتساعد صحفيا أو منظمة إنسانية على نقل المعلومات، تستطيع أيضا منح جماعة مسلحة قدرة أفضل على التنسيق والدعاية.
ولا تكمن المشكلة في الطبق الأبيض نفسه، بل في البيئة المحيطة به: حدود يسهل اختراقها، وأنظمة تسجيل ضعيفة، وأجهزة أمن محدودة الإمكانات، ومناطق واسعة لا توجد فيها الدولة إلا بصورة متقطعة.
لقد أنهت «ستارلينك» جزءا من عزلة الصحراء. لكنها، في الوقت نفسه، أنهت إحدى المزايا القليلة التي كانت تملكها الحكومات على خصومها: القدرة على قطع الاتصال عنهم.
وفي حرب يتحرك فيها المقاتلون عبر مسافات شاسعة، قد يصبح الطرف الأكثر اتصالا بالشبكة هو الطرف الأقدر على رؤية الميدان، وصناعة الرواية، واتخاذ الخطوة التالية قبل خصمه.





