أعلنت الجزائر، الخميس، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد أشهر من التوتر الصامت وخطوات رسمية أظهرت تراجعا متسارعا في مستوى العلاقات بين البلدين.
وقالت وزارة الخارجية الجزائرية إن القرار جاء بعد «استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية»، وفي ظل ما وصفته بتزايد «التصرفات الاستفزازية أو العدائية» الصادرة عن الإمارات.
وأضافت الوزارة أنها استدعت السفير الإماراتي وأبلغته رسميا بالقرار، ومنحته مهلة 48 ساعة للامتثال له ومغادرة البلاد.
ولم يحدد البيان الجزائري واقعة بعينها دفعت إلى اتخاذ القرار، كما لم يوضح طبيعة التصرفات التي وصفها بالعدائية، الأمر الذي يترك الأسباب المباشرة للقطيعة غير معلنة حتى الآن.
قرار سبقته إشارات رسمية
رغم الطابع المفاجئ للإعلان، لم تكن القطيعة أول إجراء رسمي يعكس تدهور العلاقات بين الجزائر وأبوظبي.
ففي 7 فبراير/شباط 2026، أعلنت الجزائر مباشرة إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية المبرمة مع الإمارات في أبوظبي يوم 13 مايو/أيار 2013، والمصادق عليها بمرسوم رئاسي في ديسمبر/كانون الأول 2014.
ولم يقدم الإعلان الجزائري حينها سببا سياسيا للخطوة، لكنه مثّل أول تقليص رسمي كبير لإطار التعاون الثنائي قبل الوصول إلى قطع العلاقات الدبلوماسية.
ويشير تسلسل القرارين—إلغاء اتفاقية الطيران ثم قطع العلاقات—إلى أن الأزمة لم تكن وليدة الساعات الأخيرة، بل جاءت في سياق تراجع تدريجي للقنوات المؤسسية بين البلدين.
الصحراء الغربية.. تباين رسمي واضح
تكشف البيانات الرسمية للبلدين عن اختلاف جوهري في الموقف من نزاع الصحراء الغربية.
فالجزائر تؤكد دعمها لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وهو موقف جدده الرئيس عبد المجيد تبون في ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما دعا إلى حل سياسي يمكّن الصحراويين من ممارسة هذا الحق.
في المقابل، تعلن الإمارات رسميا دعمها «الوحدة الترابية» للمغرب. وافتتحت في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 قنصلية عامة بمدينة العيون، في خطوة تقول الخارجية الإماراتية إنها تجسد دعم أبوظبي للسيادة المغربية على الصحراء.
ويجعل ذلك الجزائر والإمارات في موقعين متعارضين بشأن أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة الخارجية الجزائرية. غير أن بيان قطع العلاقات لم يذكر قضية الصحراء الغربية، ولذلك لا يمكن اعتبارها رسميا السبب المباشر للقرار.
تباين بشأن العلاقات مع إسرائيل
تختلف مقاربتا البلدين أيضا في ملف العلاقات مع إسرائيل.
فقد أقامت الإمارات علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل بموجب اتفاقات أبراهام الموقعة في سبتمبر/أيلول 2020، ثم وسّع البلدان تعاونهما وافتتحا بعثات دبلوماسية متبادلة.
أما الجزائر، فتواصل التأكيد رسميا على دعم الحقوق الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس. وجدد تبون في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 وصف هذا الدعم بأنه «مبدئي وثابت».
ويشكل هذا الاختلاف جزءا من التباعد السياسي بين الجزائر وأبوظبي، لكنه، مثل ملف الصحراء الغربية، لم يرد في بيان الخارجية الجزائرية بوصفه سببا محددا للقطيعة.
ما الذي لا تثبته البيانات الرسمية؟
تداولت وسائل إعلام خلال الأعوام الأخيرة تفسيرات تتعلق بتنافس البلدين في ليبيا والساحل، وبعلاقات الإمارات مع المغرب وبعض الحكومات الأفريقية، فضلا عن اتهامات بالتدخل في الشؤون الجزائرية.
لكن البيانات الرسمية المتاحة بشأن قرار الخميس لم تقدم تفاصيل أو أدلة تربط القطيعة مباشرة بواحد من هذه الملفات. ولذلك يظل تقديمها باعتبارها الأسباب المؤكدة للقرار استنتاجا سياسيا، لا معلومة أعلنتها السلطات الجزائرية.
والمؤكد رسميا حتى الآن يقتصر على ثلاث نقاط: اتهام الجزائر الإمارات بتزايد تصرفات «استفزازية أو عدائية»، إعلان استنفاد محاولات الحفاظ على العلاقات، ومنح السفير الإماراتي 48 ساعة للامتثال لقرار القطيعة.
رد إماراتي غير مباشر
وحتى وقت إعداد هذا الخبر، لم تنشر وزارة الخارجية الإماراتية بيانا رسميا مفصلا يرد مباشرة على القرار الجزائري.
غير أن أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، كتب أن العلاقات الدبلوماسية الناجحة ينبغي أن تقوم على «العقلانية والتواصل ووضوح المصالح»، لا على الإشارات التي تحتاج إلى فك رموز، من دون أن يسمّي الجزائر أو يربط كلامه صراحة بقرار القطيعة.
وبذلك تدخل العلاقات الجزائرية الإماراتية مرحلة قطيعة رسمية بعد تدهور تدريجي ظهرت أبرز مؤشراته في إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية. غير أن تفسير الدافع المباشر للقرار سيظل مفتوحا ما لم تكشف الجزائر طبيعة التصرفات التي وصفتها بالعدائية أو تصدر أبوظبي ردا رسميا مفصلا.





