تدخل إيران إحدى أكثر اللحظات اضطرابًا في تاريخها الحديث مع استعدادها لدفن المرشد الأعلى علي خامنئي، بينما تتحرك في الوقت نفسه لاختيار خليفته تحت ضغط ضربات عسكرية متواصلة وتهديدات اغتيال صريحة من إسرائيل.
وأدى تأكيد وفاة خامنئي إلى فراغ في قمة هرم السلطة في الجمهورية الإسلامية، ما دفع إلى تفعيل إجراءات دستورية طارئة في وقت لا تزال فيه البلاد تتعرض لقصف مكثف ضمن العمليات الأميركية-الإسرائيلية.
وأعلنت الحكومة فترة حداد وطني لثلاثة أيام، فيما من المقرر إقامة مراسم الوداع في قاعة مصلى الإمام الخميني في طهران. ويتوقع مسؤولون أن يشهد التشييع مشاركة قد تضاهي الملايين الذين حضروا جنازة روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية.
لكن المخاوف الأمنية تظل مرتفعة. فقد سُجلت أكثر من 1,250 ضربة أميركية-إسرائيلية خلال الأيام الأخيرة، ويُعتقد أن مجلس القيادة الانتقالي طلب هدنة إنسانية مؤقتة لضمان سلامة التجمع الجماهيري، من دون تأكيد رسمي لأي اتفاق.
ويبرز خطر وقوع هجوم أثناء مراسم التشييع طبيعة الأزمة غير المسبوقة، حيث يجري التحضير لجنازة رسمية بينما البلاد في حالة حرب نشطة.
وبموجب الدستور تقع مسؤولية اختيار المرشد الأعلى الجديد على عاتق مجلس خبراء القيادة المؤلف من 88 عضوًا، والذي يعقد اجتماعات طارئة.
ومن بين أبرز المرشحين مجتبى خامنئي، النجل الثاني للزعيم الراحل، والذي يُعتقد أنه في موقع آمن غير معلن بعد نجاته من موجة الهجمات الأخيرة.
وقال رجل الدين أحمد خاتمي إن المجلس يقترب من اتخاذ قرار رغم ظروف الحرب. وينص القانون الإيراني على أن يكون المرشد الأعلى فقيهًا شيعيًا بارزًا يتمتع بسلطة سياسية وقدرة إدارية واسعة.
وفي الوقت الراهن تُدار شؤون الدولة عبر مجلس مؤقت يضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، ورجل الدين علي رضا أعرافي.
ويشير محللون إلى أنه رغم الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت العسكرية والحكومية — بما في ذلك تقارير عن استهداف مبنى مرتبط بالمجلس — فإن تسلسل القيادة في الجمهورية الإسلامية لا يزال يعمل.
وفي تصعيد حاد، وجّه وزير الدفاع الإسرائيلي تحذيرًا مباشرًا لقيادة إيران، معلنًا أن أي زعيم تختاره السلطات الإيرانية سيكون هدفًا مؤكدًا للاغتيال بغض النظر عن اسمه أو مكان وجوده.
وتشير هذه التصريحات إلى أن إسرائيل باتت تعتبر منصب المرشد الأعلى نفسه هدفًا عسكريًا مشروعًا، ما يزيد المخاوف من أن يؤدي مسار الخلافة إلى تصعيد إضافي وربما ضربات تستهدف تعطيل عملية الانتقال.
ويرى محللون أمنيون أن التهديد غير مسبوق من حيث نطاقه، إذ يطعن مباشرة في استمرارية أعلى سلطة في الجمهورية الإسلامية.
وفي الوقت نفسه اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب نبرة أكثر حذرًا بشأن مستقبل القيادة في إيران، قائلاً إن أسوأ سيناريو يتمثل في وصول زعيم معادٍ جديد، لكنه أشار إلى أن شخصية من داخل النظام مستعدة للتفاوض قد تفتح الطريق لإنهاء الحرب.
وتشير هذه التصريحات إلى احتمال تفضيل واشنطن لحل تفاوضي إذا أبدى الزعيم الإيراني المقبل مرونة استراتيجية.
وتتواصل الحرب على نطاق أوسع مع تسجيل أكثر من 1,250 ضربة أميركية-إسرائيلية داخل إيران، بينما أطلقت طهران مئات الصواريخ الباليستية وآلاف الطائرات المسيّرة باتجاه أهداف أميركية وإسرائيلية في الخليج.
ولا تزال أسواق الطاقة تحت ضغط مع بقاء مضيق هرمز شبه مغلق، ما دفع أسعار خام برنت إلى نحو 84 دولارًا للبرميل.
وتبقى إيران تحت إدارة قيادة انتقالية بانتظار قرار مجلس الخبراء.
ورغم الأضرار الكبيرة في البنية التحتية، يؤكد محللون أن تسلسل القيادة الإيرانية لا يزال قائمًا. غير أن التهديد باغتيال أي خليفة قبل توليه المنصب رسميًا يضيف عامل عدم استقرار قد يعيد تشكيل السياسة الداخلية والتوازنات الإقليمية.
وقد واجهت الجمهورية الإسلامية سابقًا اضطرابات داخلية وعقوبات وحروبًا، لكنها لم تشهد انتقالًا في القيادة تحت تهديد اغتيال معلن من قوة أجنبية أثناء حرب نشطة.
ومن المتوقع أن تكون الساعات المقبلة حاسمة، إذ قد يحدد تصويت مجلس الخبراء النهائي، إلى جانب التطورات السياسية في واشنطن بشأن صلاحيات الحرب، ما إذا كان النزاع سيتجه نحو مزيد من التصعيد أو نحو هدنة تفاوضية.
وفي الوقت الراهن تستعد طهران لدفن مرشد أعلى بينما تواجه احتمال أن يبدأ خليفته ولايته وهو هدف معلن.





