15 نوفمبر 2025 – الدوحة
شهدت الدوحة اليوم محطة فارقة في واحدة من أعقد أزمات إفريقيا، مع توقيع “إطار الدوحة للاتفاق الشامل للسلام” بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف نهر الكونغو (M23).
ويمثّل هذا الاتفاق مرحلة مفصلية في مسار وساطة تقوده قطر منذ مطلع 2025، وتدعمه الولايات المتحدة بقوة، لإنهاء صراعٍ تجاوز عقدين من الزمن في منطقة البحيرات الكبرى.
المسار الذي اكتسب زخمًا غير مسبوق هذا العام يسلّط الضوء على دور قطري–أميركي مشترك يعيد صياغة معادلات السلام في وسط إفريقيا، بعد سنوات من الحرب والانهيار الإنساني وغياب الحلول الإقليمية القادرة على وقف النزيف.
خلفيات الصراع: جذور معقدة تمتد لعقود
يعود جذور النزاع في شرق الكونغو إلى مزيج شديد التعقيد من العوامل:
1. إرث الإبادة الجماعية في رواندا 1994
تدفّق ملايين اللاجئين والمسلحين الروانديين إلى الكونغو خلق بيئة أمنية شديدة الاضطراب.
قوات “الهوتو” (FDLR) أسست قواعد دائمة في كيفو، ما دفع الكونغو ورواندا إلى صراع نفوذ مستمر.
2. ضعف الدولة وانتشار الجماعات المسلحة
أكثر من 120 فصيلاً مسلحًا تنشط في الشرق، أبرزها:
- M23
- قوات الهوتو الرواندية (FDLR)
- مجموعات محلية مثل نيانسيورا وفوتو
- الجماعات الأجنبية القادمة من أوغندا وبوروندي
هذا التشظي جعل الدولة الكونغولية عاجزة عن بسط سلطتها على مساحات شاسعة.
3. صراع الهوية والمواطنة
يشعر التوتسي الكونغوليون بأنهم غير محميين، بينما تتهم مجتمعات أخرى رواندا بدعم المسلحين.
هذه الانقسامات وفّرت الوقود الدائم لموجات التمرد.
4. الثروات الطبيعية الهائلة
شرق الكونغو يضم أكبر احتياطات العالم من “الكولتان”، القصدير، الذهب، والكوبالت الضروري لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية.
هذه الثروات حوّلت الصراع إلى اقتصاد حرب معقّد.
5. إخفاقات اتفاق 23 مارس 2009
اتفاق الحكومة مع حركة CNDP سابقًا تحوّل إلى نقطة خلاف بعد اتهام الكونغوليين بعدم تنفيذه، ما أدى إلى ظهور حركة M23 عام 2012.
مسار الوساطة القطرية: من التهدئة إلى بناء خارطة طريق
منذ مارس 2025، أطلقت الدوحة مسارًا دبلوماسيًا تدريجيًا، بدأ بجمع حكومة الكونغو وM23 على طاولة واحدة، في وقت وصلت فيه المعارك إلى ذروتها في كيفو.
المرحلة الأولى: تثبيت وقف إطلاق النار
أسفرت الجولات الأولى عن توقيع آلية الإشراف والتحقق من وقف إطلاق النار، بمشاركة:
- قطر
- الولايات المتحدة
- الاتحاد الأفريقي
وهذه أول آلية دولية مشتركة من نوعها في النزاع.
المرحلة الثانية: إجراءات بناء الثقة
شملت ملفات إنسانية حساسة مثل:
- إطلاق سراح المحتجزين
- فتح ممرات إنسانية
- وقف العمليات الهجومية
- إعادة انتشار القوات
المرحلة الثالثة: التفاوض على الإطار السياسي
مباحثات مكثفة على مدى شهور أسفرت اليوم عن توقيع إطار الدوحة، وهو وثيقة شاملة تُحدد:
- المبادئ الأساسية للسلام
- خارطة طريق لثمانية بروتوكولات تنفيذية
- آليات نزع السلاح وإعادة الدمج (DDR)
- استعادة سلطة الدولة في المناطق المتأثرة
- إصلاحات الحكم والمشاركة السياسية
- لجنة مستقلة للعدالة الانتقالية والمصالحة
- حلول لقضايا المواطنة وعودة اللاجئين
بهذا التوقيع، أصبحت الدوحة المركز السياسي لمسار حلّ النزاع، بعد تعثّر مسارات إقليمية مثل عملية نيروبي و عملية لواندا.
الدور الأميركي: دعم مباشر للوساطة القطرية
واشنطن التي ترى في استقرار الكونغو شرطًا أساسيًا لأمن المنطقة، قدّمت:
1. دعمًا دبلوماسيًا كاملًا للمسار القطري
واعتبرت الدوحة “المسار الوحيد القابل للحياة حاليًا”.
2. ضغطًا على الأطراف الإقليمية
خاصة رواندا والكونغو، لتجنب التصعيد العسكري.
3. دعمًا فنيًا ولوجستيًا لآلية وقف إطلاق النار
يشمل الخبراء العسكريين والمستشارين.
4. رؤية استراتيجية حول معادن الكونغو
الولايات المتحدة تعتبر استقرار شرق الكونغو ضروريًا لتأمين سلاسل التوريد العالمية للمعادن الاستراتيجية.
ما الذي يميز اتفاق الدوحة عن كل محاولات السلام السابقة؟
1. لأول مرة… اتفاق بإشراف ثلاثي: قطر–الولايات المتحدة–الاتحاد الأفريقي
مما يمنحه قوة سياسية لا تتوفر في أي مسار سابق.
2. لأول مرة… خارطة طريق واضحة بثمانية بروتوكولات تنفيذية
وليس مجرد إعلان مبادئ.
3. إشراك جميع الأطراف المتأثرة بالنزاع
وليس الاكتفاء بالحكومة وM23.
4. آليات عملية لنزع السلاح وعودة الدولة إلى الشرق
وهو العنصر الذي فشلت فيه كل الاتفاقيات السابقة.
5. معالجة قضايا المواطنة والهوية
وهي الجذور الحقيقية للصراع منذ التسعينيات.
ختامًا: هل يكون مسار الدوحة بوابة للسلام النهائي؟
رغم هشاشة الوضع الميداني واستمرار تعدد اللاعبين المسلحين، إلا أن:
- قوة الوسطاء
- وجود آلية دولية للرقابة
- جدول زمني واضح
- ودعم أميركي مباشر
- ورغبة الكونغو وم23 في الخروج من الاستنزاف
يجعل اتفاق الدوحة الإطاري أقوى محاولة للسلام في الشرق منذ ثلاثة عقود.
وإذا نجحت الأطراف في الانتقال إلى تنفيذ البروتوكولات الثمانية، فقد يصبح مسار الدوحة أول مسار يضع الأسس الحقيقية لسلام دائم في شرق الكونغو الديمقراطية.





