انتخابات التجديد النصفي 2026 أوصلت أول سيناتور مسلم وجرّاحًا عمل في غزة، فاشتدت حملات التخوين وتكسّرت أموال «أيباك» على صناديق ميشيغان
لم تعد الأصوات العربية والمسلمة في الكونغرس الأمريكي استثناءً عابرًا. فانتخابات التجديد النصفي التي جرت في نوفمبر 2026 أضافت إلى المشهد أسماء جديدة، وثبّتت أخرى، في لحظة يتصاعد فيها الجدل داخل الولايات المتحدة حول الدعم العسكري لإسرائيل وحربها على غزة. والأهم من الأعداد هو الخطاب: فبعض هذه الوجوه لا تكتفي بتمثيل جالياتها، بل تضع وقف تسليح إسرائيل في صلب برامجها، وهو ما يفسّر شراسة الحملات التي واجهتها، من البيت الأبيض إلى لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل.
ميشيغان: معركة الثلاثين مليون دولار
أوضح مثال على ذلك عبد الرحمن السيد، المعروف بلقب «عبدول». ابن المهاجرين المصريين، المولود عام 1984 في جنوب شرق ميشيغان، جمع بين الطب والصحة العامة والسياسة: بكالوريوس في الأحياء والعلوم السياسية من جامعة ميشيغان بمرتبة الشرف، ومنحة رودس إلى أكسفورد حيث نال الدكتوراه في الصحة العامة، ثم دراسة الطب في جامعة كولومبيا ضمن برنامج المعاهد الوطنية للصحة لتدريب العلماء الأطباء.
خاض السيد عام 2018 الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمنصب حاكم الولاية وحلّ ثانيًا بأكثر من 340 ألف صوت، ثم أعلن في 17 أبريل 2025 ترشحه لمجلس الشيوخ. وفي أغسطس 2026 تغلّب في الانتخابات التمهيدية على النائبة هيلي ستيفنز، وهي معركة صرفت فيها «لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية» (أيباك) عبر لجنتها الانتخابية «مشروع الديمقراطية المتحدة» نحو 30.6 مليون دولار لدعم ستيفنز ضده، بحسب بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية، وهو أكبر مبلغ تنفقه المنظمة على سباق واحد في تاريخها. ولم تتوقف المحاولة بعد خسارتها؛ ففي أكتوبر عادت اللجنة نفسها للإنفاق ضده في الانتخابات العامة.
وفي 4 نوفمبر 2026 أعلن السيد فوزه على الجمهوري مايك روجرز، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ.
ترامب: «جهادي» و«جهاز كشف معادن»
لم تقتصر المواجهة على المال. فقد ركّز الرئيس دونالد ترامب في الأسابيع الأخيرة من الحملة على ديانة السيد واسمه. وفي تجمّع انتخابي بمدينة بورت هيورون في 25 أكتوبر، وصفه بأنه «جهادي» وعضو في جماعة الإخوان المسلمين، وقال إنه سيحتاج إلى المرور عبر جهاز كشف المعادن قبل دخول مجلس الشيوخ، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس، التي أكدت عدم وجود أي دليل على ارتباطه بالجماعة. وكرر ترامب مرارًا مناداته باسمه الأوسط «محمد». وفي المناظرة الأخيرة، سأله منافسه روجرز إن كان «مع أمريكا أم مع الجماعات الإرهابية في الخارج»، فوصف السيد السؤال بأنه «مخزٍ».
وفي خطاب النصر، رد السيد على هذه الحملة مباشرة، متوجهًا إلى الآباء الذين عجزوا عن أن يشرحوا لأطفالهم لماذا يسخر الرئيس من شخص بسبب اسمه أو طريقة صلاته، بأن يخبروهم أن «الأشرار خسروا»، بحسب ما نقلت الجزيرة الإنجليزية.
من غزة إلى الكابيتول
الوجه الثاني الذي يختزل هذه المعركة هو آدم الحموي، الجراح المولود في مصر، الذي انتقل مع أسرته إلى الولايات المتحدة رضيعًا ونشأ في نيوجيرسي. خدم في الجيش الأمريكي من 2003 حتى تقاعده برتبة مقدم عام 2011، وعمل جراحًا عسكريًا في العراق عام 2004، وشارك في بعثات إنسانية إلى البوسنة والسودان ولبنان وسوريا وهايتي.
لكن غزة كانت المنعطف. ففي بعثتين طبيتين عامي 2024 و2025، عالج مصابين خلال حرب الإبادة على القطاع، بينهم أطفال بُترت أطرافهم، وعمل في مستشفى غزة الأوروبي بخان يونس، حيث واجه مع فريقه شح المستلزمات وصعوبة الخروج بعد إغلاق معبر رفح. وحين عاد نقل شهادته إلى مسؤولين وأعضاء في الكونغرس، ثم قرر دخول السياسة منتقدًا الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، وداعيًا إلى وقفه وتقييد تصدير الأسلحة إلى الدول المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان.
فاز الحموي في الانتخابات التمهيدية في يونيو 2026 بدعم بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز والسيناتورة تامي داكوورث، ثم هزم الجمهوري غريغ ميلي بنحو 74.8% من الأصوات وفق النتائج الأولية، ليصبح أول مسلم يمثل نيوجيرسي في مجلس النواب، على أن يبدأ ولايته في يناير 2027. ولم يسلم بدوره من الاتهامات؛ إذ تحدث النائب الديمقراطي جوش غوتهايمر عن «مخاوف عميقة» بشأن «ارتباطات» مزعومة له بمنظمات إرهابية، فرد الحموي واصفًا إياه بأنه «روبوت لأيباك».
طليب وعمر: الحرس القديم يصمد
إلى جانب الوافدين الجدد، حافظت رشيدة طليب وإلهان عمر على مقعديهما في 2026. طليب، المولودة في ديترويت عام 1976 لأب من بيت حنينا وأم من بيت عور الفوقا، كانت أول امرأة فلسطينية أمريكية مسلمة تدخل الكونغرس عام 2019، وأدت اليمين بالثوب الفلسطيني على نسخة من القرآن تعود إلى عام 1734. وفي نوفمبر 2023 صوّت مجلس النواب بأغلبية 234 مقابل 122 على توجيه اللوم إليها بسبب تصريحاتها عن الحرب على غزة، متهمًا إياها بنشر معلومات مضللة وتبني شعار «فلسطين حرة من النهر إلى البحر». ومع ذلك أعاد ناخبوها انتخابها مرة أخرى.
أما إلهان عمر، اللاجئة الصومالية التي أمضت أربع سنوات في مخيم بكينيا قبل وصولها إلى الولايات المتحدة عام 1995، فقد فازت بولاية جديدة عن الدائرة الخامسة في مينيسوتا. وكانت بدورها هدفًا لهجوم ترامب في التجمع ذاته الذي استهدف فيه السيد.
ليسوا كتلة واحدة
غير أن الصورة ليست أحادية. فالحضور العربي في الكونغرس يضم أيضًا جمهوريين يقفون على الضفة الأخرى من النقاش. أبراهام «آبي» حمادة، المولود في شيكاغو عام 1991 لأبوين سوريين، ضابط استخبارات سابق في الاحتياط ومدعٍ عام سابق في مقاطعة ماريكوبا، دخل السياسة بدعم ترامب، ويُعرف بتأييده المعلن لإسرائيل. ودارين لحود، ذو الأصول اللبنانية، الذي يمثل إلينوي منذ 2015، مدعٍ عام سابق ترأس قسم قضايا الإرهاب في لاس فيغاس، ويشغل مواقع مؤثرة في لجنة الطرق والوسائل.
وهذا التباين يكشف أن مصدر القلق في المعسكر المقابل ليس الأصول العربية بحد ذاتها، بل صعود جيل يربط هويته العربية والإسلامية بموقف صريح من تسليح إسرائيل وما يجري في غزة.
لماذا يتعاظم القلق؟
ثلاثة عوامل تفسّر حدة المواجهة:
- سقوط هيبة المال: فشل أكبر إنفاق في تاريخ «أيباك» على سباق واحد في منع السيد من الفوز بالترشيح ثم بالمقعد. ووفق تقديرات نقلها موقع «العربي الجديد»، فإن نسبة نجاح المرشحين الذين تدعمهم المنظمة، التي بلغت نحو 98% في 2022، يُتوقع أن تتراجع إلى ما بين 60 و70% في 2026.
- انتقال الخطاب من الهامش إلى المؤسسة: لم يعد رفض «تمويل القتل والإبادة» من أموال دافعي الضرائب، كما قال السيد في خطاب فوزه، شعارًا لنواب محاصرين في دوائر مضمونة، بل صار موقفًا لسيناتور فاز في ولاية متأرجحة.
- قاعدة انتخابية منظمة: يشكّل الحضور العربي والإسلامي الكبير في ميشيغان، والتحالف مع الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، كتلة قادرة على قلب المعادلة في الولايات الحاسمة.
الرواية المقابلة
في المقابل، يقدّم خصوم هؤلاء النواب حججًا مختلفة. فالجمهوريون والمجموعات المؤيدة لإسرائيل يقولون إن اعتراضهم يتعلق بالمواقف والارتباطات والتصريحات، لا بالديانة، ويستشهدون بقرار اللوم ضد طليب، وبصلات بعض هؤلاء بشخصيات مثيرة للجدل. كما أن الدعم العسكري لإسرائيل لا يزال يحظى بتأييد واسع داخل الكونغرس، ما يعني أن هذه الأصوات، رغم صعودها، تبقى أقلية في المجلسين. في المقابل، أدان بعض الجمهوريين، مثل السيناتور بيل كاسيدي، التصريحات التي استهدفت المرشحين المسلمين، وهو ما يشير إلى أن الخطاب المعادي للمسلمين لا يحظى بإجماع داخل الحزب نفسه.
المصادر: الجزيرة، الصحافة الأمريكية





