حين رشّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب الدبلوماسي كريستيان جوفي إيرهارت سفيرا لدى الكاميرون، لم يكن الأمر مجرد حركة روتينية داخل وزارة الخارجية. فالرجل الذي اختير لتمثيل واشنطن في ياوندي هو نفسه أحد أبرز المسؤولين الذين صاغوا وأداروا الاتفاقات التي تسمح للولايات المتحدة بترحيل مهاجرين إلى دول ثالثة لا يحملون جنسيتها أصلا ولا تربطهم بها أي صلة.
والمفارقة اللافتة أن الكاميرون نفسها كانت من بين الدول التي تفاوض معها إيرهارت مباشرة بشأن استقبال هؤلاء المرحّلين. والآن، بعد أشهر من إبرام الاتفاق ووصول أولى رحلات الترحيل، يعود المسؤول الأميركي إلى ياوندي، هذه المرة بصفة مختلفة تماما: سفيرا محتملا يتولى إدارة العلاقة السياسية مع الحكومة ذاتها التي فاوضها سابقا. ويطرح هذا المسار سؤالا يتجاوز السيرة الذاتية لإيرهارت وحده: هل باتت المشاركة في تنفيذ سياسة ترمب المتشددة تجاه الهجرة بوابة فعلية نحو المناصب الدبلوماسية الرفيعة؟
الرجل الذي يدير “مكتب إعادة الهجرة”
انضم إيرهارت، البالغ من العمر 41 عاما، إلى السلك الدبلوماسي الأميركي عام 2007، وتركز عمله أساسا في مجالي الأمن الدبلوماسي وإنفاذ القانون، حيث شغل مناصب في الجزائر وأفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا والسودان والكاميرون.
وفي مايو/أيار 2025، عُيّن نائبا لمساعد وزير الخارجية في مكتب السكان واللاجئين والهجرة، وتولى الإشراف على وحدة جديدة أُطلق عليها اسم “مكتب إعادة الهجرة”. وللاسم دلالة سياسية لا تخفى: فمصطلح “إعادة الهجرة” مرتبط في أدبيات اليمين المتطرف بفكرة الإبعاد الجماعي للمهاجرين والأقليات. وترى مجلة “أفريكا ريبورت” أن تأسيس هذا المكتب يعكس تحولا جوهريا طرأ على إحدى أبرز المؤسسات الأميركية المعنية باللاجئين، من جهاز يركز تاريخيا على الحماية والمساعدات الإنسانية، إلى أداة لتنفيذ سياسة الترحيل.
وبحسب تحقيقات صحفية، خصصت إدارة ترمب أو تعهدت بما لا يقل عن 410 ملايين دولار لتأمين اتفاقات ترحيل مع 35 دولة، في حين تجاوز عدد الأشخاص الذين رُحّلوا بموجب هذه الترتيبات 25 ألف شخص.
أفريقيا في صلب شبكة الترحيل
وفق “أفريكا ريبورت”، تحوّل إيرهارت إلى ما يشبه المبعوث الفعلي للإدارة الأميركية لدى الحكومات المستعدة لاستقبال مهاجرين تعجز واشنطن عن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، سواء بسبب رفض تلك الدول استقبالهم، أو بسبب مخاطر حقيقية تتعلق بتعرضهم للاضطهاد أو التعذيب في حال عودتهم.
وتقول منظمة “مرصد الترحيل إلى بلدان ثالثة” إن إدارة ترمب أبرمت، منذ يناير/كانون الثاني 2025، ما لا يقل عن 35 ترتيبا من هذا النوع، من بينها اتفاقات مع 14 دولة أفريقية تشمل، وفق المنظمة، بوروندي والكاميرون وكابو فيردي وأفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية وغينيا الاستوائية وإسواتيني وغانا وليبيريا وليبيا ورواندا وسيراليون وجنوب السودان وأوغندا.
ورافقت هذه الاتفاقات، في حالات عدة، تعهدات مالية أو برامج مساعدات أميركية، وهو ما أثار اتهامات لواشنطن باستخدام المساعدات الخارجية كأداة ضغط لإقناع دول فقيرة أو تعاني أزمات أمنية بقبول استقبال المرحّلين. وتدافع الإدارة الأميركية عن هذه السياسة بوصفها مسارا قانونيا لإبعاد أشخاص صدرت بحقهم أوامر ترحيل نهائية يتعذر تنفيذها نحو بلدانهم الأصلية، بينما تحذّر منظمات حقوقية من أنها في جوهرها تنقل المسؤولية القانونية والإنسانية الأميركية إلى دول أقل قدرة على توفير الحماية الفعلية للمرحّلين.
زيارة رسمية خلف واجهتها اتفاق أكثر حساسية
وصل إيرهارت إلى الكاميرون في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والتقى الوزير المنتدب المكلف بالتعاون مع الكومنولث فيليكس مبايو، إضافة إلى مسؤولين أمميين وممثلي منظمات عاملة في مجالي اللاجئين والمساعدات الإنسانية. وأفادت السفارة الأميركية حينها بأن المحادثات تناولت ملفات الأمن والصحة والمساعدات الإنسانية، من دون الإشارة إلى أي بعد يتعلق بالترحيل.
وبعد شهر واحد فقط، وقّعت واشنطن وياوندي اتفاقا صحيا مدته خمس سنوات بقيمة 400 مليون دولار، إلى جانب تعهد أميركي إضافي بقيمة 30 مليون دولار لدعم ما وُصف بعمليات العودة الطوعية للاجئين ومكافحة الهجرة غير النظامية. لكن تقرير “أفريكا ريبورت” يكشف أن الجانب الأكثر حساسية من هذه التفاهمات لم يُعلن للرأي العام في حينه.
ففي 16 ديسمبر/كانون الأول 2025، وهو اليوم ذاته الذي وُقّع فيه الاتفاق الصحي علنا، أبرمت الدولتان مذكرة تفاهم منفصلة تسمح بترحيل ما يصل إلى ألف شخص من الولايات المتحدة إلى الكاميرون. وفي حين لا يثبت تزامن توقيع الاتفاقين وحده وجود مقايضة مباشرة بين المساعدات المالية وقبول استقبال المرحّلين، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى الترابط بين الأدوات المالية الأميركية وسياسة الترحيل الجديدة. وتشير تقارير إعلامية، إلى جانب شهادات محامين متخصصين في قضايا الهجرة، إلى أن واشنطن بدأت بالفعل إرسال أشخاص من جنسيات مختلفة إلى الكاميرون، من بينهم مهاجرون سبق أن حصلوا على حماية قضائية تحديدا تمنع إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية بسبب مخاطر الاضطهاد أو التعذيب فيها.
ترحيل غامض وصحفيون محتجزون
بحسب “أفريكا ريبورت”، وصلت أول طائرة تقل مرحّلين إلى الكاميرون في 14 يناير/كانون الثاني، من دون أن تُعلن السلطات الكاميرونية تفاصيل واضحة بشأن جنسيات هؤلاء الأشخاص أو أوضاعهم القانونية أو حتى الأماكن التي نُقلوا إليها بعد وصولهم.
وتذكر المجلة أن الشرطة القضائية في ياوندي احتجزت، في 17 فبراير/شباط، ثلاثة صحفيين تابعين لوكالة أسوشيتد برس وصحفيا مستقلا رابعا، أثناء محاولتهم تغطية عمليات الترحيل ميدانيا. ويعزز هذا التكتم الأمني المحيط بالاتفاق مخاوف حقيقية من أن يجد المرحّلون أنفسهم عالقين فعليا في بلد غريب عنهم، من دون وضع قانوني واضح، ومن دون إمكانية فعلية للحصول على حماية قانونية أو حتى الطعن في قرار نقلهم إليه أصلا.
علاقة سابقة راسخة مع أجهزة الأمن الكاميرونية
لا يدخل إيرهارت الكاميرون بصفته وجها غريبا عن مؤسساتها. فقد سبق له العمل مسؤولا أمنيا إقليميا في السفارة الأميركية بياوندي، ومنحته حكومة الرئيس بول بيا عام 2018 رتبة فارس في وسام الشجاعة الكاميروني تقديرا لخدمته هناك.
وقد تمنح هذه المعرفة العميقة بالمؤسسات الأمنية والسياسية الكاميرونية إيرهارت أفضلية واضحة في إدارة العلاقة الثنائية مستقبلا، لكنها تثير في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأولويات الفعلية التي سيحملها إلى منصبه الجديد إن أُقرّ: هل ستكون الدبلوماسية التقليدية الشاملة، أم ملفات الأمن والهجرة والإشراف على استمرار تنفيذ اتفاق الترحيل تحديدا؟ ولن يصبح إيرهارت سفيرا بصورة نهائية إلا بعد مصادقة مجلس الشيوخ الأميركي على ترشيحه، حيث يُتوقع أن يواجه هناك أسئلة مباشرة من أعضاء ديمقراطيين بشأن دوره الشخصي في صفقات الترحيل، ومدى التزامها بالإجراءات القانونية الواجبة ومعايير حقوق الإنسان.
سياسة تنتظر حكما حاسما من المحكمة العليا
يأتي ترشيح إيرهارت في وقت تخوض فيه إدارة ترمب معركة قضائية مستمرة حول الشرعية القانونية الكاملة لسياسة الترحيل إلى دول ثالثة. فقد سبق لمحاكم أدنى درجة أن فرضت قيودا على هذه السياسة، بعد ثبوت تنفيذ عمليات ترحيل من دون منح الأشخاص المعنيين إشعارا كافيا أو فرصة حقيقية للاعتراض استنادا إلى احتمال تعرضهم للاضطهاد أو التعذيب في وجهتهم الجديدة.
غير أن المحكمة العليا الأميركية سمحت، بأغلبية 6 قضاة مقابل 3، باستئناف عمليات الترحيل بصورة مؤقتة، إلى حين نظرها الكامل في القضية والاستماع إلى المرافعات النهائية المقررة في ديسمبر/كانون الأول المقبل، على أن يصدر الحكم النهائي الملزم لاحقا. وقد دعا خبراء مستقلون تابعون للأمم المتحدة واشنطن صراحة إلى وقف هذه السياسة بالكامل، محذرين من أنها قد تعرّض المرحّلين لمخاطر حقيقية تشمل التعذيب والاضطهاد والاحتجاز التعسفي، وبخاصة أكثر الفئات هشاشة بينهم.
سفير دبلوماسي أم حارس سياسي لاتفاق الترحيل؟
تقدّم الإدارة الأميركية إيرهارت للرأي العام بوصفه دبلوماسيا محترفا يملك خبرة أمنية واسعة ومعرفة مباشرة وعميقة بمنطقتي الكاميرون وأفريقيا الوسطى والساحل. لكن سجله المهني الأخير يجعل مهمته المحتملة في ياوندي مختلفة جوهريا عن المهام التقليدية المنوطة بأي سفير عادي؛ فهو لم يكتفِ بالمشاركة في صياغة سياسة الترحيل إلى الدول الثالثة من واشنطن، بل تولى بنفسه التفاوض المباشر مع الكاميرون تحديدا بشأن تنفيذها على أرض الواقع.
ولهذا يبدو هذا الترشيح وكأنه يربط عمليا بين مرحلتين متتاليتين من مهمة واحدة متكاملة: إقناع ياوندي أولا بقبول استقبال المرحّلين، ثم الانتقال لاحقا إلى إدارة العلاقة السياسية الثنائية معها والإشراف المباشر على استمرار تنفيذ الاتفاق من موقع السفارة نفسها. وبينما تنتظر واشنطن موعد تصويت مجلس الشيوخ على هذا الترشيح، يبقى السؤال الجوهري مطروحا بقوة: هل اختار ترمب سفيرا تقليديا لتعزيز العلاقات الثنائية العامة مع الكاميرون، أم أنه أرسل فعليا إلى ياوندي الشخص الأكثر قدرة وخبرة لحماية استمرار واحدة من أكثر صفقات الهجرة الأميركية إثارة للجدل حتى الآن؟





