لم تعد المواجهات في شمال إثيوبيا شأنًا داخليًا محصورًا في إقليم تيغراي. فقد تصاعد التوتر بسرعة بين أديس أبابا وأسمرة، وتبادل البلدان اتهامات بالتدخل العسكري وإعلان الحرب، وسط مخاوف من تحول القتال إلى صراع إقليمي واسع في القرن الأفريقي.
وفيما تطالب إثيوبيا بانسحاب فوري للقوات الإريترية التي تقول إنها دخلت أراضيها، لجأت إريتريا إلى مجلس الأمن الدولي، داعية إياه إلى اتخاذ “إجراءات رادعة” بحق أديس أبابا.
ويتزامن هذا التصعيد مع تقدم القوات الموالية للحكومة الإثيوبية داخل تيغراي واقتراب المعارك من الحدود الإريترية، في وقت حذر فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من انهيار اتفاق بريتوريا الذي أنهى حربًا دامية استمرت عامين.
أسمرة تحتكم إلى الفصل السابع
قال وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، في رسالة إلى مجلس الأمن اطلعت عليها وكالة رويترز، إن اتهام إثيوبيا للقوات الإريترية بتنفيذ “غزو شامل” لأراضيها يرقى إلى إعلان حرب.
واتهم صالح الحكومة الإثيوبية باستخدام مزاعم وجود قوات إريترية داخل إثيوبيا ذريعةً لتبرير ما وصفه بخطة لشن “حرب عدوانية” على بلاده.
وطالب الأمم المتحدة بالتدخل بموجب الفصل السابع من ميثاقها، الذي يتيح لمجلس الأمن فرض عقوبات واتخاذ تدابير أخرى قد تشمل استخدام القوة العسكرية لحفظ السلم والأمن الدوليين.
وحذر الوزير الإريتري من أن اندلاع حرب مباشرة بين البلدين سيؤدي إلى “دمار هائل” في إثيوبيا وإريتريا، ويهدد استقرار منطقة القرن الأفريقي بأسرها.
في المقابل، نقلت رويترز عن مصدر حكومي إثيوبي أن أديس أبابا بعثت بدورها رسالة إلى مجلس الأمن طالبت فيها بانسحاب القوات الإريترية فورًا من الأراضي الإثيوبية.
ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من الادعاءات المتبادلة بشأن حجم الانتشار الإريتري أو المواقع التي توجد فيها هذه القوات.
ميدانيًا: تقدم نحو الحدود ووعيد بالملاحقة
على الأرض، أعلنت “قوات سلام تيغراي” الموالية للحكومة الإثيوبية عزمها مواصلة هجومها حتى استعادة السيطرة الكاملة على الإقليم.
وقالت إن هجومها المضاد مكّنها، خلال فترة قصيرة، من السيطرة على عدد من المدن الرئيسية وإطاحة الإدارة المؤقتة التي كانت تدير تيغراي.
وذكرت تصريحات عسكرية إثيوبية أن قوات جبهة تحرير شعب تيغراي سحبت أسلحة ثقيلة ومدرعات باتجاه الحدود الإريترية. وتضمنت التصريحات تهديدًا بملاحقة القوات التي يُعتقد أنها انسحبت إلى الجانب الإريتري، واستعادة الأسلحة والأفراد المطلوبين والممتلكات التي تقول أديس أبابا إنها نُقلت عبر الحدود.
وقد ترفع أي عملية ملاحقة داخل الأراضي الإريترية احتمالات اندلاع مواجهة مباشرة بين جيشي البلدين، وتحول المعارك من حرب داخلية إثيوبية إلى نزاع إقليمي مفتوح.
وبحسب المعلومات الميدانية المتاحة، باتت معظم المدن الرئيسية في تيغراي تحت سيطرة القوات الموالية للحكومة الإثيوبية، بينما بقيت مدينتا أكسوم وأدوة خارج سيطرتها الكاملة.
أديس أبابا تعاتب الأمم المتحدة
دبلوماسيًا، أبدت الحكومة الإثيوبية استياءها من عدم صدور إدانة أممية صريحة لما تصفه بتدخل إريتري داخل أراضيها.
وعرض رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإثيوبيان، خلال لقائهما نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، تحفظات أديس أبابا على موقف المنظمة الدولية، مطالبَين بتعامل أكثر وضوحًا مع الاتهامات المتعلقة بوجود القوات الإريترية.
ويكشف الخلاف حول الموقف الأممي أن الطرفين لا يخوضان معركة ميدانية وسياسية فحسب، بل يسعى كل منهما أيضًا إلى كسب الشرعية الدولية وتحميل الآخر مسؤولية التصعيد.
غوتيريش: اتفاق بريتوريا على المحك
دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى وقف فوري للقتال في أقاليم تيغراي وعفر وأمهرة، والعودة إلى الحوار استنادًا إلى اتفاق بريتوريا للسلام الموقع عام 2022.
وأعرب غوتيريش عن قلقه من التقارير التي تتحدث عن وجود قوات إريترية داخل الأراضي الإثيوبية، محذرًا من تداعيات التصعيد على استقرار المنطقة، كما دعا الدول التي تملك نفوذًا على أطراف النزاع إلى تكثيف جهودها لخفض التوتر ومنع اتساع رقعة الحرب.
وكان اتفاق بريتوريا، الموقع برعاية الاتحاد الأفريقي، قد أنهى الحرب بين الحكومة الفدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، لكن المعارك الحالية والاتهامات المتبادلة تهدد بتفكيك الترتيبات التي أرساها.
ومع انتقال التحذيرات من ساحات القتال إلى مجلس الأمن، تقف الأزمة أمام لحظة حاسمة: إما العودة إلى مسار التهدئة والحوار، أو الانزلاق إلى مواجهة جديدة قد تتجاوز حدود إثيوبيا وإريتريا لتشعل القرن الأفريقي.





