بدأت الشرارة بهجوم لحركة إنقاذ أزواد، بدعم من عناصر يُعتقد أنها من الفيلق الأفريقي الروسي، على بلدة إن آرابن الخاضعة لنفوذ تنظيم الدولة الإسلامية. غير أن الرد لم يطل القوة المهاجمة، بل امتد إلى تجمعات مدنية من الدوسهاك، فخلّف عشرات القتلى وموجة نزوح جديدة.
ميناكا – مالي | 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026
تدخل منطقة ميناكا شمال شرقي مالي مرحلة جديدة من التصعيد، بعد هجوم استهدف أحد أبرز معاقل تنظيم الدولة الإسلامية، أعقبته عمليات انتقامية طالت تجمعات مدنية من قبائل الدوسهاك، وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص ونزوح عائلات كانت قد عادت حديثًا إلى قراها.
وبحسب معلومات حصلت عليها “الرؤى الأفريقية” من مصادر محلية في ميناكا والمناطق الحدودية مع النيجر، بدأت الأحداث في 17 أكتوبر/تشرين الأول، حين هاجمت قوات من حركة إنقاذ أزواد، المعروفة اختصارًا بـ”إم إس إيه” (MSA)، بلدة إن آرابن الواقعة شرق ميناكا والخاضعة لنفوذ تنظيم الدولة الإسلامية.
وتفيد المصادر بأن الهجوم نُفذ بمشاركة عناصر من الفيلق الأفريقي الروسي، وشمل قصف مواقع داخل البلدة، التي تُعد مركزًا مهمًا لنفوذ التنظيم لكنها تضم أيضًا أعدادًا من المدنيين، بينهم عائلات من الدوسهاك.
ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من مشاركة القوات الروسية، أو من طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف وحجم الخسائر داخل إن آرابن.
نهاية “التجاهل المتبادل” بين التنظيم والحركة
تكمن أهمية الهجوم في أنه كسر نمطًا من التجنب المتبادل ظل قائمًا، بحسب مصادر محلية، بين تنظيم الدولة الإسلامية وحركة إنقاذ أزواد، رغم انتشار الطرفين في مناطق متقاربة.
وقال محمد عبد الله، في إفادة من المنطقة، إن التنظيم كان يتجنب خلال الفترة السابقة مهاجمة مواقع الحركة، وإن الجانبين كانا يتحركان داخل المجال الجغرافي نفسه دون مواجهة واسعة. وأضاف أن الوضع تغيّر يوم 17 أكتوبر، عندما تحرك مقاتلو الحركة نحو إن آرابن وهاجموها، معتبرًا أن المبادرة بالهجوم فتحت الباب أمام موجة الانتقام التي تلته.
وقال محمد عبد الله:
«كان تنظيم الدولة يتغاضى عن حركة إم إس إيه ولا يتعرض لها، رغم وجودهما في المنطقة نفسها. لكن الحركة هاجمت إن آرابن وقصفت البلدة، فرد التنظيم بقتل عدد كبير من الدوسهاك وتهجيرهم من مناطقهم، في حين لم تتعرض القوة المهاجمة، حتى الآن، لضربة تماثل ما لحق بالمدنيين».
ويرى عبد الله أن المدنيين صاروا ضحية صراع لا ينتمون بالضرورة إلى أي من طرفيه، موضحًا أن بين سكان المنطقة عائلات مسالمة وأخرى قريبة من جبهة تحرير أزواد أو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، دون أن تكون مرتبطة بتنظيم الدولة أو بحركة إنقاذ أزواد.
وذهب إلى أن تسلسل الأحداث يثير شكوكًا محلية في أن يكون الهجوم قد استُخدم، بصورة غير مباشرة، لإجبار السكان العائدين حديثًا إلى قراهم على النزوح مجددًا. وهي قراءة تعبّر عن تقدير مصدر محلي، ولا تتوفر أدلة مستقلة تثبت وجود خطة مسبقة للتهجير.
تاغادايات: 48 قتيلًا والحصيلة مرشحة للارتفاع
في 19 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن المكتب التنفيذي لمجتمع الدوسهاك مقتل 48 مدنيًا في هجوم وقع يوم الأحد 18 أكتوبر في منطقة تاغادايات التابعة لجهة ميناكا.
واتهم البيان مسلحين تابعين لتنظيم الدولة الإسلامية بتنفيذ الهجوم، موضحًا أنهم وصلوا على متن عدة دراجات نارية واستهدفوا سكانًا مدنيين عزّلًا، ما أسفر أيضًا عن إصابة عدد من الأشخاص وانتشار حالة واسعة من الخوف.
غير أن مصادر ميدانية تحدثت عن احتمال أن تكون الحصيلة الفعلية أعلى من الرقم المعلن، بسبب صعوبة الوصول إلى القرى المتضررة وتفرق السكان وتعذر توثيق أعداد الضحايا والمفقودين بصورة مستقلة.
ولا توجد حتى الآن حصيلة رسمية شاملة من السلطات المالية، كما لم يصدر ما يوضح حجم خسائر حركة إنقاذ أزواد أو الفيلق الأفريقي الروسي خلال الهجوم على إن آرابن أو المواجهات التي أعقبته.
تفاهم مع المدنيين كان قاب قوسين؟
تكشف رواية محلية أخرى جانبًا إضافيًا من تعقيد المشهد. فقد قال علي أحمد إن تنظيم الدولة الإسلامية كان، قبل الهجوم، قريبًا من التوصل إلى تفاهم مع مدنيين من الدوسهاك يسمح للعائلات بالعودة إلى إن آرابن ومحيطها.
وبحسب روايته، أدى هجوم حركة إنقاذ أزواد والفيلق الأفريقي الروسي إلى انهيار هذه التفاهمات، ودفع التنظيم إلى تنفيذ عمليات انتقامية لم تميّز بين المقاتلين والمدنيين، ولا بين درجات الولاء داخل المجتمع المحلي.
وقال علي أحمد:
«كان التنظيم على وشك التوصل إلى اتفاق مع المدنيين يسمح بعودتهم إلى إن آرابن، لكن هجوم إم إس إيه والفيلق الروسي دفعه إلى الانتقام من الجميع، بمن فيهم مدنيون اعتبر أن ولاءهم يميل إلى الحركة».
ولا يمكن التحقق بشكل مستقل من وجود هذه المفاوضات أو من المرحلة التي بلغتها، لكن الرواية تعكس شبكة التفاهمات المحلية الهشة التي تنشأ أحيانًا بين الجماعات المسلحة والسكان في المناطق التي تغيب عنها الدولة.
الدوسهاك: بين الانتماء القبلي والاستقطاب العسكري
تكتسب التطورات حساسية إضافية بسبب موقع مجتمع الدوسهاك في الصراع. فهم مكوّن سكاني رئيسي في منطقة ميناكا، فيما تتألف حركة إنقاذ أزواد نفسها في جزء كبير منها من مقاتلين ينتمون إلى المجتمع ذاته.
غير أن الانتماء القبلي لا يعني وحدة الموقف السياسي أو العسكري. فبعض الدوسهاك مرتبط بالحركة، وآخرون يعيشون تحت نفوذ تنظيم الدولة، أو يحاولون التزام الحياد، أو يحتفظون بعلاقات مع جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
ويجعل هذا التشابك التجمعات المدنية عرضة للعقاب الجماعي، إذ قد ينظر كل طرف إلى قرية بأكملها بوصفها حاضنة لخصمه، استنادًا إلى انتماء بعض سكانها أو موقعها الجغرافي، لا إلى مشاركة جميع أهلها في القتال.
وتشير الوقائع المعلنة حتى الآن إلى أن المدنيين تحملوا العبء الأكبر من الرد الانتقامي، بينما لا تتوفر معلومات عن تعرض القوة التي شنت الهجوم الأول لخسائر مماثلة.
نزوح متجدد نحو مدينة ميناكا
دفعت الهجمات عائلات عديدة إلى مغادرة قراها والتوجه نحو مدينة ميناكا بحثًا عن الأمان، وفق بيان المكتب التنفيذي لمجتمع الدوسهاك وإفادات المصادر المحلية.
وتضم موجة النزوح نساءً وأطفالًا وكبارًا في السن، بينهم أشخاص عادوا إلى مناطقهم الأصلية قبل فترة قصيرة بعد سنوات من الاضطرابات والتهجير.
ويضع وصولهم ضغطًا إضافيًا على مدينة تعاني أصلًا من ضعف الخدمات ونقص الغذاء والدواء ومحدودية قدرات الإيواء، وسط صعوبة وصول المنظمات الإنسانية إلى أجزاء واسعة من المنطقة.
وطالب المكتب التنفيذي للدوسهاك السلطات المالية ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بالتدخل العاجل، وتوفير الحماية والمساعدات للنازحين، ومنع وقوع هجمات جديدة ضد المدنيين.
تنظيم الدولة يستعرض قوة متنامية
يرى علي أحمد أن التصعيد الأخير يأتي في وقت يعمل فيه تنظيم الدولة الإسلامية على تعزيز حضوره العسكري في منطقة ميناكا. وقال إن التنظيم حصل في الفترة الأخيرة على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، ويحاول من خلال هجماته الانتقامية إظهار قدرته على حماية مناطق نفوذه والرد على أي قوة تقترب منها.
ولا تتوفر معلومات مستقلة تسمح بتحديد حجم التسليح الجديد أو مصادره، لكن قدرة التنظيم على تنفيذ هجمات سريعة بالدراجات النارية والتنقل بين القرى والمناطق الحدودية تعكس استمرار مرونته العملياتية، رغم العمليات العسكرية التي استهدفته في السنوات الماضية.
خريطة النفوذ في ميناكا على المحك
لا تبدو أحداث إن آرابن وتاغادايات مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل قد تكون بداية إعادة ترتيب للتحالفات وخطوط النفوذ في ميناكا.
فانهيار حالة التجنب بين تنظيم الدولة الإسلامية وحركة إنقاذ أزواد قد يفتح جبهة جديدة بين الطرفين، بينما قد يؤدي دخول الفيلق الأفريقي الروسي بصورة أوسع إلى اتساع رقعة القتال ودفع التنظيم إلى شن مزيد من الهجمات الانتقامية على المناطق التي يعدّها حاضنة لخصومه.
وفي المقابل، يهدد النزوح المتكرر بإفراغ قرى بأكملها من سكانها، وتحويل المناطق الريفية إلى ساحات تتحرك فيها الجماعات المسلحة بلا وجود مدني مستقر ولا سلطة محلية قادرة على حماية السكان.
وأفادت معلومات حديثة بوقوع اشتباكات جديدة قرب إن آرابن، لكن لم يتسنَّ التأكد من الأطراف المشاركة فيها أو حجم الخسائر.
وتكشف التطورات مرة أخرى أن المدنيين في ميناكا لا يواجهون خطر تنظيم واحد فحسب، بل يعيشون داخل شبكة معقدة من الجماعات المسلحة والقوات المحلية والحلفاء الأجانب والتفاهمات القبلية المتغيرة. ومع انهيار أي تفاهم هش، تتحول القرى سريعًا من مناطق عودة واستقرار مؤقت إلى ساحات انتقام ونزوح جديد.
المصدر: الرؤى الأفريقية، وبيان المكتب التنفيذي لمجتمع الدوسهاك (19 أكتوبر/تشرين الأول 2026)





