وصلت مواطنتان، نمساوية وسويسرية، إلى مدينة بنغازي شرقي ليبيا بعد الإفراج عنهما إثر أكثر من عام ونصف على اختطافهما في مدينة أغاديز شمالي النيجر، فيما لا يزال الغموض يحيط بشروط إطلاق سراحهما.
ونقلت وكالة رويترز عن مصدرين رسميين، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما، أن المرأتين وصلتا إلى بنغازي يوم الأربعاء 21 أكتوبر/تشرين الأول، وأن السلطات تعمل على استكمال الإجراءات اللازمة قبل تسليمهما إلى ممثلي بلديهما. وأضاف المصدران أن العملية جرت بإشراف صدام حفتر، نائب القائد العام للقوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا.
وتداولت وسائل إعلام ليبية مشاهد للمرأتين بعد وصولهما إلى بنغازي، ظهرتا فيها وهما تشكران خليفة حفتر ونجله صدام على دورهما في الإفراج عنهما.
من هما المرأتان؟
المواطنة النمساوية هي إيفا غريتسماخر، ناشطة في العمل التنموي أقامت في أغاديز أكثر من عقدين، وأسهمت في مشاريع تتعلق بالتعليم وتمكين النساء والثقافة والبيئة.
وكان مسلحون قد اقتحموا منزلها في أغاديز يوم 11 يناير/كانون الثاني 2025 واقتادوها إلى جهة مجهولة. وأكدت وزارة الخارجية النمساوية حينها اختطاف مواطنة نمساوية دون الكشف عن تفاصيل إضافية، بينما أعلنت وسائل إعلام محلية اسم غريتسماخر.
أما المواطنة السويسرية، فتعرّفها وسائل إعلام محلية باسم كلوديا أبت، وقد اختُطفت من منزلها في حي داغامانيت بمدينة أغاديز ليلة 13 أبريل/نيسان 2025.
وأكدت وزارة الخارجية السويسرية رسميًا وقوع عملية الاختطاف وتشكيل خلية أزمة لمتابعة القضية، لكنها امتنعت عن نشر اسم الرهينة أو معلومات شخصية عنها، حفاظًا على خصوصيتها وسلامتها.
من احتجزهما؟
بحسب معلومات حصلت عليها “الرؤى الأفريقية” من مصادر خاصة، فإن الجهة التي نفذت الاختطاف هي تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، وقد تعاون مع فرع التنظيم في نيجيريا في إخفاء المرأتين.
ولم تكشف السلطات النمساوية ولا السويسرية علنًا هوية الجهة الخاطفة، كما لم تتضح طبيعة المفاوضات التي أفضت إلى الإفراج عنهما، ولا ما إذا كانت العملية تضمنت دفع فدية أو تقديم تنازلات أخرى.
وفي السياق نفسه، نسبت صفحة “ليبيا 2030″، الموالية لقيادة شرق ليبيا، عملية الاختطاف إلى تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، وقالت إن المرأتين نُقلتا بعد الإفراج عنهما من منطقة الساحل إلى سبها، ومنها إلى مطار بنينا في بنغازي تحت حماية قوات خاصة ليبية.
غير أن حكومات النمسا وسويسرا والنيجر لم تؤكد هذه التفاصيل بصورة مستقلة، ولم يصدر بيان رسمي مفصل يحدد مكان احتجازهما أو كيفية خروجهما من قبضة الخاطفين.
وعليه، فإن وصف ما جرى بأنه “عملية تحرير عسكرية” لا يزال بحاجة إلى أدلة إضافية، في حين تؤكد المعلومات المتاحة حتى الآن حصول الإفراج ووصول المرأتين إلى بنغازي، إضافة إلى الدور الذي نسبته مصادر رسمية مجهولة الهوية إلى صدام حفتر.
ظروف احتجاز قاسية ونقل متواصل بين مواقع سرية
وبحسب معلومات حصلت عليها “الرؤى الأفريقية” من مصادر مطلعة، عاشت المرأتان ظروف احتجاز مأساوية، تمثلت خصوصًا في نقلهما بين مواقع سرية لأسباب أمنية تتعلق بإخفاء مكان احتجازهما، وفي ظروف خاصة وسيئة.
وتضاعفت قسوة تلك الفترة، بحسب المصادر نفسها، بسبب عمر المرأتين المتقدم، إذ حُرمتا من نظامهما الغذائي والصحي المعتاد، وفُرض عليهما نوع معين من اللباس في ظروف مناخية قاسية، إلى جانب التنقل عبر طرق وعرة بين مواقع الإخفاء. وجعل ذلك المدة التي قضتاها في الأسر أشد وطأة بأضعاف مما توحي به الأشهر وحدها.
بنغازي بوابة جديدة لملفات رهائن الساحل؟
تسعى القيادة العسكرية في شرق ليبيا إلى تقديم العملية دليلًا على اتساع نفوذها الأمني في منطقة الساحل والصحراء، مستفيدة من سيطرتها على مساحات واسعة من جنوب ليبيا وصلاتها بفاعلين محليين وشبكات عابرة للحدود.
وكان هذا الدور قد ظهر سابقًا في ملف المبشّر الأمريكي كيفن رايدوت، الذي كان محتجزًا لدى جماعة مرتبطة بتنظيم الدولة في الساحل. ونقلت رويترز حينها روايات متباينة بشأن الإفراج عنه؛ إذ تحدثت مصادر عن صفقة ووساطة شاركت فيها شخصيات لها صلات بالجماعات المسلحة وشبكات التهريب، بينما قالت قيادة شرق ليبيا إن قوات خاصة نفذت عملية لتحريره. ولم تتمكن الوكالة من التحقق من رواية العملية العسكرية.
وأكد مصدر خاص في شمال مالي لـ”الرؤى الأفريقية” أن صدام حفتر هو من قاد أيضًا مفاوضات الإفراج عن رايدوت.
وبحسب معلومات “الرؤى الأفريقية”، يعود جانب من اتساع نفوذ حفتر في شمال مالي والساحل عمومًا إلى علاقته الممتازة بمقاتلي “فاغنر” الروس، الذين باتوا يعملون تحت غطاء “الفيلق الأفريقي” الروسي. وظهر ذلك مؤخرًا في وساطته للإفراج عن أسيرين من فاغنر كانت جبهة تحرير أزواد قد أسرتهما بعد أن هاجموها في تينزواتين، في معارك قُتل فيها عشرات منهم وأُسر اثنان.
ويشير تكرار نقل رهائن محرَّرين عبر الأراضي الليبية إلى محاولة قيادة شرق ليبيا ترسيخ موقعها وسيطًا أمنيًا في ملفات الساحل، لكن غياب الشفافية بشأن الجهات المفاوضة وشروط الإفراج يترك أسئلة مفتوحة حول طبيعة هذا الدور.
إجراءات التسليم
بحسب المصادر، تخضع المرأتان حاليًا لإجراءات طبية وإدارية قبل تسليمهما إلى الجهات المختصة في النمسا وسويسرا.
ولم تصدر حتى الآن بيانات تفصيلية من حكومتي البلدين بشأن حالتهما الصحية أو موعد عودتهما، كما لم تعلن سلطات النيجر نتائج التحقيق في عمليتي الاختطاف.
وبذلك تنتهي محنة استمرت أكثر من عام ونصف للمرأتين وعائلتيهما، فيما تبقى ملابسات الإفراج، والمقابل المحتمل للعملية، والمسار الذي نُقلتا عبره إلى ليبيا، أسئلة دون إجابات رسمية كاملة.
المصدر: رويترز، والرؤى الأفريقية





