Connect with us

Hi, what are you looking for?

إفريقيا

لماذا يغادر شباب مايدوغوري ويخاطرون بعبور الصحراء بحثا عن مستقبل؟

في الأحياء المكتظة ومناطق النزوح المحيطة بمدينة مايدوغوري، عاصمة ولاية بورنو شمال شرقي نيجيريا، يتزايد حديث الشباب عن طريق طويل وخطر يمتد آلاف الكيلومترات عبر النيجر والصحراء الكبرى باتجاه الجزائر وليبيا.

ورغم ما يرتبط بهذه الرحلة من مخاطر الاتجار بالبشر والخطف والابتزاز والاحتجاز والموت، لم تعد الهجرة غير النظامية بالنسبة إلى بعض الشباب مجرد سعي وراء الطموح، بل تحولت إلى محاولة للفرار من تداعيات سنوات من الصراع والنزوح وتراجع النشاط الاقتصادي.

وتشير بيانات وتقارير صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى جانب الوكالة النيجيرية لمكافحة الاتجار بالبشر، إلى تداخل عوامل أمنية واقتصادية وبيئية تدفع مزيدا من الشباب نحو الهجرة.

جيل نشأ في ظل الحرب

عاش كثير من شباب مايدوغوري معظم حياتهم تحت وطأة الصراع المسلح الذي اندلع مع تمرد جماعة بوكو حرام عام 2009.

ومنذ ذلك الحين، تعرضت مناطق واسعة من ولاية بورنو لهجمات متكررة وعمليات عسكرية وتهجير جماعي، ودُمرت قرى وأُغلقت مدارس لفترات طويلة، في حين اضطر المزارعون إلى هجر أراضيهم ونزحت عائلات بأكملها مرات عدة.

وتقول منظمات إن استمرار الصراع أوجد جيلا تعطلت مسارات تعليمه وتدريبه المهني، وتقلصت أمامه فرص العمل والاستقرار.

ويروي شاب يبلغ من العمر 24 عاما ويقيم في منطقة مونا بمايدوغوري، بعدما فرت أسرته من منطقة مارتي قبل سنوات، جانبا من المعضلة التي يواجهها الشباب النازحون.

ويقول: «قضينا سنوات ننتظر تحسن الأوضاع. تنهي دراستك أو تتعلم حرفة، لكنك لا تجد عملا. وعندما يسافر أصدقاؤك ويرسلون المال إلى أسرهم، تبدأ بالتفكير في أن الرحيل ربما يكون الخيار الوحيد المتبقي».

وتعكس شهادته نمطا رصده باحثون في شؤون الهجرة، إذ غالبا ما يناقش الشباب قرار الرحيل بصورة جماعية، بينما تنتقل المعلومات المتعلقة بالطرق والمهربين والتكاليف عبر الأصدقاء وشبكات التواصل، بعيدا عن القنوات الرسمية.

مخيمات تتحول إلى تجمعات دائمة

تضم مايدوغوري واحدا من أكبر تجمعات النازحين داخليا في نيجيريا. ورغم إغلاق السلطات عددا من المخيمات الرسمية أو دمجها خلال السنوات الأخيرة، انتقلت أسر كثيرة إلى مستوطنات عشوائية وأحياء تستضيف أعدادا تفوق قدرتها الاستيعابية.

وتراجعت المساعدات الإنسانية تدريجيا مع انتقال المانحين إلى برامج تركز على التعافي وإعادة الإعمار. لكن التعافي لم يكن متوازنا، وظلت أسر عديدة تعتمد على الأعمال اليومية والتجارة المحدودة والمساعدات غير المنتظمة.

ويواجه الشباب في المناطق المتأثرة بالنزوح عوائق كبيرة أمام دخول سوق العمل، من بينها صعوبة الحصول على التمويل والتدريب المهني ووسائل النقل، فضلا عن غياب العلاقات الاجتماعية والمهنية التي تساعدهم في إيجاد وظائف.

انهيار التجارة الإقليمية

قبل اندلاع التمرد، كانت مايدوغوري مركزا تجاريا مهما يربط نيجيريا بالنيجر وتشاد والكاميرون. وكان التجار ينقلون المواشي والحبوب والأسماك والمنسوجات والسلع المصنعة عبر الحدود المحيطة بحوض بحيرة تشاد.

لكن القيود الأمنية وتضرر البنية التحتية واستمرار الهجمات على طرق النقل الرئيسية أدت إلى تراجع حاد في هذه التجارة.

وكان الشباب من أكثر الفئات تضررا، ولا سيما أولئك الذين اعتمدوا على نقل البضائع والعمل في أسواق المواشي وخدمات التحميل والتجارة الصغيرة.

ونتيجة لذلك، بات اقتصاد المدينة عاجزا عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن عمل، ومن بينهم نازحون قدموا من مناطق ريفية متضررة من الصراع.

المناخ يفاقم الأزمة

يحذر مختصون من اختزال الهجرة باتجاه الشمال في العامل الأمني وحده، إذ أسهم التدهور البيئي في حوض بحيرة تشاد في زيادة التنافس على الأراضي ومصادر المياه.

كما أدت تقلبات مستوى البحيرة وعدم انتظام الأمطار واتساع نطاق التصحر إلى إضعاف الزراعة والرعي، وهما مصدران أساسيان للعيش اعتمدت عليهما مجتمعات المنطقة على مدى أجيال.

وتصف دراسات للمنظمة الدولية للهجرة ومنظمة الأغذية والزراعة الضغوط المناخية بأنها «عامل مضاعف للتهديدات»، لأنها تتفاعل مع الفقر وانعدام الأمن.

وغالبا ما ينتقل الشباب الذين فقدوا مصادر رزقهم الزراعية إلى مايدوغوري أولا، قبل أن يفكر بعضهم في مواصلة الرحلة باتجاه النيجر والصحراء عندما لا يجدون فرصا داخل المدينة.

رحلة على مراحل

نادرا ما تكون الرحلة من مايدوغوري إلى شمال أفريقيا منظمة ضمن مسار واحد. وعادة ما ينتقل المهاجرون على مراحل تبدأ بمغادرة المدينة نحو المناطق الحدودية في شمال بورنو، ثم عبور الحدود إلى النيجر عبر طرق غير رسمية.

ومن هناك، يتجهون إلى مدينة أغاديز أو أرليت، قبل عبور الصحراء نحو الجزائر أو ليبيا، ثم محاولة الوصول إلى المدن الساحلية أو مواصلة الرحلة باتجاه أوروبا.

وتتطلب كل مرحلة دفع مبالغ للناقلين والمرشدين والمهربين، وأحيانا لمسؤولين فاسدين أو جماعات مسلحة تسيطر على أجزاء من الطريق.

وتشير أبحاث إلى أن تشديد القيود على التهريب في النيجر منذ عام 2015 دفع شبكات التهريب إلى استخدام مسارات صحراوية أكثر بعدا وسرية، تقل فيها فرص العثور على المسافرين وإنقاذهم عند تعطل المركبات أو فقدان الطريق.

أغاديز.. مدينة الانتظار

تحولت مدينة أغاديز في النيجر إلى واحدة من أبرز محطات عبور المهاجرين القادمين من غرب أفريقيا.

ويقضي بعض المهاجرين أسابيع أو أشهرا فيها لجمع الأموال اللازمة لمواصلة الرحلة عبر الصحراء. ويلجأ بعضهم إلى أعمال مؤقتة في الاقتصاد غير الرسمي، بينما يجد آخرون أنفسهم عالقين بعدما يتخلى عنهم المهربون أو يتعرضون للسرقة.

وتقول منظمات إن عددا من النيجيريين القادمين من شمال شرقي البلاد يكونون قد تعرضوا للنزوح مرات عدة قبل مغادرة نيجيريا، مما يجعلهم أكثر عرضة للاستغلال على الطريق.

مقابر الصحراء غير المرئية

تحظى حوادث غرق المهاجرين في البحر المتوسط بتغطية إعلامية واسعة، لكن الوفيات في الصحراء تحدث غالبا بعيدا عن الشهود والكاميرات والسجلات الرسمية.

وسجل مشروع «المهاجرون المفقودون» التابع للمنظمة الدولية للهجرة مئات الوفيات المؤكدة على الطرق الصحراوية. غير أن الباحثين يرجحون أن العدد الحقيقي أكبر بكثير، بسبب اختفاء مركبات كاملة من دون أثر، وعدم معرفة الناجين في أحيان كثيرة بهويات من يموتون خلال الرحلة.

وتتكرر في شهادات العائدين روايات عن تعطل الشاحنات على بعد مئات الكيلومترات من أقرب تجمع سكاني، وإجبار الركاب على السير أياما من دون ما يكفي من الماء، وتخلي المهربين عن المرضى حتى لا تتأخر الرحلة.

كما تتحدث الشهادات عن ترك جثث الموتى في الصحراء لأن نقلها يمثل عبئا إضافيا على المهربين.

ويصف عاملون في المجال الإنساني أجزاء من هذه الطرق بأنها «مقابر غير مرئية»، إذ قد تمر سنوات من دون أن تعرف الأسر مصير أبنائها المفقودين.

ليبيا.. من التهريب إلى الاستغلال

بالنسبة إلى الذين ينجحون في الوصول إلى سبها أو مدن جنوب ليبيا، تتحول الرحلة في كثير من الحالات من تهريب عبر الحدود إلى استغلال منظم.

ووثقت وكالات أممية حالات عمل قسري في المزارع وورش البناء، إلى جانب التعذيب والاعتداء الجسدي والاحتجاز في مرافق مكتظة، وإجبار الأسر في نيجيريا على دفع فدية لإطلاق سراح أبنائها.

كما يتعرض بعض المهاجرين للاتجار بهم بغرض الاستغلال في العمل أو الاستغلال الجنسي.

وتحذر الوكالة النيجيرية لمكافحة الاتجار بالبشر من أن الشابات القادمات من الولايات المتأثرة بالصراع يواجهن مخاطر خاصة، إذ تستدرجهن شبكات بوظائف وهمية في المنازل أو المطاعم أو بوعود بفرص عمل في شمال أفريقيا، قبل أن يجدن أنفسهن ضحايا للاستغلال.

لماذا تفشل التحذيرات الرسمية؟

استثمرت الحكومات والمنظمات الدولية في حملات للتوعية بمخاطر الهجرة غير النظامية، عبر اللوحات الإعلانية والبرامج الإذاعية والاجتماعات المجتمعية ومنصات التواصل.

ومع ذلك، لا تزال الرحلات مستمرة.

وتشير دراسات سلوكية للمنظمة الدولية للهجرة إلى أن كثيرا من الشباب لا يشككون بالضرورة في صحة التحذيرات، لكنهم يقارنون مخاطر الرحلة بما يعتبرونه واقعا مؤكدا من الفقر والبطالة وانسداد الأفق في مناطقهم.

وبالنسبة إلى شاب نازح لا يمتلك دخلا ثابتا أو فرصة واضحة لمواصلة التعليم، وتعتمد أسرته على مساعدته المالية، قد يبدو احتمال كسب المال في الخارج، رغم مخاطره، أفضل من البقاء في دائرة الفقر إلى أجل غير معلوم.

ضغط إعالة الأسرة

تلعب التوقعات الاجتماعية دورا محوريا في قرارات الهجرة، إذ يُنتظر من الشباب في كثير من الأسر المتأثرة بالنزوح تقديم الدعم المالي للوالدين والأشقاء وأفراد العائلة الممتدة.

وغالبا ما يتحول المهاجرون الذين ينجحون في إرسال الأموال إلى نماذج بارزة داخل مجتمعاتهم، في حين لا تحظى قصص المفقودين أو ضحايا الاستغلال بالانتشار نفسه.

ويقول أحد قادة المجتمع المحلي في حي غوانغي بمايدوغوري إن الأسر تجد نفسها ممزقة بين الخوف والحاجة الاقتصادية.

ويضيف: «تبكي الأمهات عندما يغادر أبناؤهن، لكن عندما لا يكون هناك طعام أو عمل أو مستقبل، تأمل بعض الأسر أيضا أن يكون الابن الذي سافر هو من سيغير أوضاعها».

العودة وإعادة الإدماج

عاد آلاف النيجيريين من ليبيا والنيجر في إطار برنامج العودة الطوعية والمساعدة على إعادة الإدماج التابع للمنظمة الدولية للهجرة، والمنفذ بالتعاون مع الوكالة النيجيرية لمكافحة الاتجار بالبشر والسلطات المحلية.

ويحصل العائدون عادة على سكن مؤقت وفحوص طبية ودعم نفسي وتدريب مهني، إلى جانب منح صغيرة لإطلاق مشاريع في مجالات مثل الخياطة وصيانة الهواتف وتربية الدواجن والتجارة البسيطة.

لكن مختصين يؤكدون أن منح المشاريع الصغيرة لا يمكنها وحدها معالجة المشكلات البنيوية في اقتصاد أنهكه الصراع.

ويواجه بعض العائدين صدمات نفسية وديونا تراكمت عليهم خلال الرحلة، فضلا عن ضغوط اجتماعية ناجمة عن اعتقاد محيطهم أنهم عادوا من الخارج بأموال كبيرة.

جهود حكومية وتحديات واسعة

يسعى برنامج إعادة الإعمار والتأهيل وإعادة التوطين في ولاية بورنو إلى ترميم البنية التحتية واستعادة الخدمات العامة وتشجيع التعافي الاقتصادي في المناطق المتضررة من التمرد.

كما أطلقت السلطات الاتحادية برامج للتدريب المهني ودعم الزراعة وتمكين الشباب في إطار سياسة نيجيريا الوطنية للهجرة.

ويرى محللون أن هذه البرامج مهمة، لكنها تواجه تحديات كبيرة، من بينها استمرار انعدام الأمن في أجزاء من بورنو، ومحدودية التمويل، وتضرر البنية التحتية، والنمو السكاني السريع، فضلا عن ضخامة الاحتياجات الناتجة عن النزوح الممتد.

أكثر من مجرد قصة هجرة

يحذر خبراء من النظر إلى تحرك شباب مايدوغوري نحو الصحراء باعتباره مجرد محاولة للوصول إلى أوروبا.

فبالنسبة إلى كثيرين، تمثل الرحلة المرحلة الأخيرة في مسار أطول من الصراع والنزوح والإقصاء الاقتصادي والتدهور البيئي. وقد يكون الشاب الذي يغادر مايدوغوري اليوم قد فقد منزله وأرضه الزراعية وسنوات من الدراسة وعدة مصادر لدخل أسرته قبل أن يصل أصلا إلى حدود النيجر.

وفي وقت تواصل فيه المنظمات الإنسانية التحذير من مخاطر طرق الصحراء، يكشف استمرار هذه الرحلات حقيقة قاسية: حين يتحول انعدام الأمن واليأس الاقتصادي من أزمات مؤقتة إلى واقع دائم، قد تبدو حتى أخطر طرق الهجرة قابلة للعبور، وربما أفضل لدى بعض الشباب من البقاء في مكان لا يرون فيه

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like

الشرق الأوسط

لا يزال الحديث عن جماعة “الأحباش” الدينية في الأردن وتمددها وصعودها يثير العديد من التساؤلات عن حقيقة تلك الجماعة بين الفينة والأخرى، فمن هي...

غرب إفريقيا والساحل

كشفت جماعة نصرة الإسلام و المسلمين في مالي مقتل 70 مسلحا ممن وصفتهم بالخوارح، في إشارة إلى ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وذلك...

Uncategorized

مازالت ليبيا تعاني من حالة عدم استقرار سياسي وأمني مزمنة، في ظل تنافس واضح بين حكومات متنازعة وميليشيات مسلحة تدعمها قوى إقليمية ودولية مختلفة....

إفريقيا

أكد والي ولاية كيدال عن تنظيم جماعة نصرة الاسلام و المسلمين، سيدن أغ هيتا، المعروف حركيا باسم عثمان القيرواني، أن من أهم الأسباب التي...