Connect with us

Hi, what are you looking for?

امريكا

بيل غيتس يحذر من عصر الاضطراب… ما المخاطر الحقيقية للذكاء الاصطناعي؟

قد لا يبدأ الوجه المقلق للذكاء الاصطناعي بروبوت خارج عن السيطرة، بل بموظف تتراجع الحاجة إلى عمله، أو مريض يثق بإجابة طبية خاطئة، أو طفل يجد في برنامج محادثة بديلا عن العلاقات الإنسانية. وبين هذه المخاطر اليومية والسيناريوهات الأشد خطورة، يتصاعد سؤال واحد: هل تستعد المجتمعات لتحول أسرع من قدرتها على تنظيمه؟

حذر بيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، في مقال نشره على مدونته “غيتس نوتس”، من اضطرابات واسعة قد تطال العمل والأمن والعلاقات الإنسانية، معتبرا أن الاستعداد السياسي والاجتماعي لا يواكب سرعة التطور التقني. لكنه لا يدعو إلى رفض التكنولوجيا، إذ يرى فيها أيضا فرصة لتحسين الصحة والتعليم وتقليص الفقر إذا أُحسن توزيع منافعها.

وتكتسب هذه التحذيرات أهميتها من خبرة صاحبها داخل صناعة التكنولوجيا، لكنها ليست وحدها دليلا علميا على تحقق كل السيناريوهات المطروحة، خصوصا أن غيتس نفسه يقر باستمرار ارتباطاته المالية بالقطاع. لذلك تبقى مقارنة توقعاته بأبحاث مستقلة ضرورة لفهم حجم الخطر الفعلي وحدود المعرفة المتاحة حاليا.

الوظائف: تحول واسع لا اختفاء شامل

يكتب غيتس أن “الكثير من الوظائف ستختفي إلى الأبد”، متوقعا أن يمتد التأثير من البرمجيات وخدمة العملاء إلى القانون والطب والتصنيع. لكن هذه نبوءة بشأن المستقبل، وليست حصيلة مؤكدة لفقدان فعلي للوظائف.

وتقدم منظمة العمل الدولية صورة أكثر تحفظا؛ ففي دراسة مشتركة مع المعهد البولندي للأبحاث “NASK”، نُشرت في مايو/أيار 2025، تبين أن واحدا من كل أربعة عاملين في العالم يعمل في مهنة معرضة بدرجة ما لتأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي. لكن المنظمة تشدد على أن هذه النسبة تعكس التعرض المحتمل لا خسائر فعلية في الوظائف، وأن تحول المهام أرجح من الاستبدال الكامل لها، لأن معظم المهن تتضمن أعمالا تحتاج إلى تدخل بشري مباشر. وتبقى الوظائف المكتبية الأكثر عرضة لهذا التأثير، مع اتساع محتمل يشمل قطاعات الإعلام والبرمجيات والتمويل.

والفارق هنا جوهري: فقدرة برنامج على إعداد مسودة تقرير أو كتابة شفرة برمجية لا تعني أنه قادر على تحمل كامل مسؤوليات الصحفي أو المبرمج. ومع ذلك، قد يتغير عدد العاملين المطلوبين في بعض المهن، وطبيعة المهارات المطلوبة منهم، وشروط دخول الشباب إلى سوق العمل.

من يستفيد من الثروة الجديدة؟

لا يقتصر القلق على عدد الوظائف المتأثرة، بل يمتد إلى كيفية توزيع المكاسب الناتجة عن هذه التقنية. فقد ترتفع الإنتاجية العامة، بينما تتركز عوائدها لدى مالكي التكنولوجيا ورأس المال، من دون أن تتحول بالقدر نفسه إلى أجور أفضل أو فرص عمل أوسع للعاملين.

ويحذر صندوق النقد الدولي من أن الدول الأقل دخلا، رغم تعرضها المباشر الأقل لبعض اضطرابات الأتمتة، قد تكون أيضا أقل قدرة على الاستفادة من هذه التقنيات بسبب النقص في البنية الأساسية والمهارات اللازمة، ما قد يوسع الفجوة بين الدول بدلا من تضييقها. ويقدم تقرير التكنولوجيا والابتكار لعام 2025 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” مؤشرا واضحا على هذا التركز، إذ تستحوذ الولايات المتحدة والصين وحدهما على نحو 60% من براءات اختراع الذكاء الاصطناعي عالميا.

وبالنسبة إلى أفريقيا تحديدا، يصبح السؤال مزدوجا: كيف تستفيد القارة من أدوات قد تحسن التعليم والصحة والإنتاج؟ وكيف تتجنب في الوقت نفسه أن تبقى مجرد سوق استهلاكية لتقنيات لا تشارك بما يكفي في تطويرها أو في تحديد قواعد استخدامها؟

الأخطاء الطبية والخصوصية: مخاطر قائمة بالفعل، لا افتراضية

ليست كل المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي رهينة سيناريوهات مستقبلية. ففي إرشادات أصدرتها منظمة الصحة العالمية في يناير/كانون الثاني 2024، حذرت المنظمة من أن النماذج التوليدية متعددة الوسائط قد تنتج معلومات خاطئة أو متحيزة أو ناقصة، بما قد يضر بمن يعتمد عليها في اتخاذ قرارات صحية مصيرية.

وتشير المنظمة أيضا إلى ما تسميه “تحيز الأتمتة”، أي ميل المستخدم أو المهني الصحي إلى الثقة المفرطة في مخرجات النظام، بما يجعله يتجاوز أخطاء كان بإمكانه اكتشافها، أو يفوض إلى الآلة قرارات لا ينبغي تركها لها أصلا. والمشكلة هنا لا تكمن في وقوع الخطأ بحد ذاته، بل في تقديمه بلغة تبدو متماسكة وواثقة، ما يصعّب اكتشافه.

أما المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتكنولوجيا “NIST”، فيوضح أن هذه النماذج قد تكشف معلومات حساسة أو تستنتجها من تجميع بيانات متفرقة لا تبدو حساسة بمفردها، وأن الاستنتاجات الخاطئة نفسها قد تلحق الضرر بالأفراد عندما تُستخدم لاتخاذ قرارات تخصهم مباشرة.

بين الهجمات السيبرانية والمخاطر البيولوجية

يشير التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي لعام 2026 إلى وجود أدلة على استخدام هذه الأدوات فعليا في هجمات سيبرانية، وإلى قدرتها على المساعدة في اكتشاف الثغرات الأمنية وكتابة برمجيات ضارة. لكنه يوضح في الوقت ذاته أن الطرف الذي سيستفيد أكثر على المدى الطويل من هذه القدرة -المهاجمون أم المدافعون- لم يُحسم بعد.

وفي المجال البيولوجي، يرصد التقرير تحسنا في قدرة النماذج على تقديم مساعدة علمية قد يُساء استخدامها، لكنه يؤكد وجود عدم يقين كبير بشأن مقدار الزيادة الفعلية في الخطر، بسبب الحواجز العملية التي ما زالت تفصل بين المعرفة النظرية وإنتاج سلاح بيولوجي فعلي. ولذلك، لا تعني هذه النتائج أن أي مستخدم عادي يستطيع تصنيع وباء عبر مجرد محادثة، بل تعني أن بعض الحواجز المعرفية التقليدية قد تنخفض تدريجيا، وهو ما يستدعي اختبارات أمان ورقابة تتناسب مع تطور القدرات لا أن تتخلف عنها.

عندما يصبح البرنامج “صديقا” للطفل

يثير الذكاء الاصطناعي أيضا أسئلة تتجاوز مسألتي الدقة والمعلومات. فبرنامج المحادثة قد يتحول، في نظر الطفل، من مجرد أداة تعليمية إلى صديق دائم يستمع ويجيب ويوافق على كل ما يُقال له.

وتحذر منظمة اليونيسف من أن التصميم القائم على المجاملة المستمرة قد يعزز سلوكيات غير صحية لدى الأطفال، وأن إحلال المحادثات الآلية محل الاحتكاك الطبيعي مع الآخرين قد يحد من فرص تنمية التفكير النقدي والمرونة العاطفية لديهم. لكنها تقر في الوقت نفسه بأن المعرفة العلمية حول التأثيرات طويلة الأمد لهذه التقنيات على نمو الأطفال ما زالت محدودة حتى الآن.

وفي موجز سياسات صدر في يونيو/حزيران 2026، دعت المنظمة إلى الانتقال من مقاربة الاستجابة للأضرار بعد وقوعها إلى مقاربة وقائية، مع تحديد واضح لمسؤوليات كل من الحكومات والشركات والأسر والمؤسسات التعليمية في هذا الملف. والمطلوب إذن ليس اعتبار كل استخدام للذكاء الاصطناعي من قِبل الأطفال ضارا بالضرورة، بل التمييز بين أداة تدعم فعليا التعلم والعلاقات الإنسانية، وتصميم آخر يستثمر عمدا في التعلق العاطفي وإطالة مدة الاستخدام.

السلاح المستقل وفقدان السيطرة… مسألتان منفصلتان

في 25 أغسطس/آب 2026، جدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش، دعوتهما المشتركة إلى وضع قواعد دولية عاجلة تحكم الأسلحة ذاتية التشغيل، محذرين من الاقتراب من تجاوز خط أخلاقي حساس يتعلق باستهداف الآلات للبشر بصورة مستقلة عن القرار البشري.

وهذا القلق المرتبط بتفويض استخدام القوة القاتلة للآلة يختلف جوهريا عن سيناريو فقدان السيطرة الشامل على أنظمة فائقة القدرة. فالتقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي يوضح أن الباحثين المختصين منقسمون بشدة بشأن احتمال تحقق هذا السيناريو الأخير، وأن الأنظمة الحالية تُظهر مؤشرات مبكرة على بعض القدرات ذات الصلة، لكنها لم تبلغ بعد المستوى الذي يجعل هذا السيناريو واردا عمليا.

حماية الإنسان من دون إغلاق باب الابتكار

يقترح غيتس فرض ضرائب على الروبوتات وعلى وحدات معالجة النصوص المعروفة بـ”التوكنات”، للمساعدة في تمويل برامج إعادة التدريب المهني والحماية الاجتماعية، إلى جانب تخصيص بعض الأدوار حصريا للبشر، وبناء إطار عمل وطني ودولي لإدارة هذا التحول. لكن هذه تبقى مقترحات سياسية مطروحة للنقاش العام، وليست حلولا محسومة الفاعلية أو التطبيق بعد.

وتقود مقارنة هذه الأفكار بالأدلة المؤسسية المتاحة إلى خلاصة واضحة: المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ليست متساوية في درجة ثبوتها العلمي. فهناك من جهة أخطاء وانتهاكات واستخدامات ضارة موثقة فعليا، وتأثيرات اقتصادية تتشكل تدريجيا وقابلة للرصد، ومن جهة أخرى سيناريوهات أشد خطورة ما زالت محاطة بقدر كبير من عدم اليقين العلمي.

ولذلك، لا يكون النقاش الجاد حول الذكاء الاصطناعي بالاختيار بين التفاؤل المطلق والخوف المطلق، بل بتحديد ما يستحق الحماية فعلا، ومن يتحمل المسؤولية عند وقوع الضرر، وكيف تُختبر هذه الأنظمة قبل توسيع نطاق استخدامها. فالنجاح في هذا المجال لن يُقاس فقط بما تستطيع الآلة إنجازه، بل أيضا بمن يستفيد فعليا من إنجازها، ومن يتحمل في المقابل ثمن أخطائها.

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like

الشرق الأوسط

لا يزال الحديث عن جماعة “الأحباش” الدينية في الأردن وتمددها وصعودها يثير العديد من التساؤلات عن حقيقة تلك الجماعة بين الفينة والأخرى، فمن هي...

غرب إفريقيا والساحل

كشفت جماعة نصرة الإسلام و المسلمين في مالي مقتل 70 مسلحا ممن وصفتهم بالخوارح، في إشارة إلى ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وذلك...

Uncategorized

مازالت ليبيا تعاني من حالة عدم استقرار سياسي وأمني مزمنة، في ظل تنافس واضح بين حكومات متنازعة وميليشيات مسلحة تدعمها قوى إقليمية ودولية مختلفة....

إفريقيا

أكد والي ولاية كيدال عن تنظيم جماعة نصرة الاسلام و المسلمين، سيدن أغ هيتا، المعروف حركيا باسم عثمان القيرواني، أن من أهم الأسباب التي...