يشهد شمال ولاية بورنو النيجيرية وحوض بحيرة تشاد تحولات ميدانية متسارعة تعيد تشكيل المشهد الأمني في غرب إفريقيا. وبين توسع نفوذ الجماعات المسلحة، وتحديات انتشار القوات النظامية، والتطور المتزايد في استخدام التكنولوجيا، تبرز المنطقة بوصفها إحدى أكثر بؤر الصراع تعقيداً في القارة خلال عام 2026.
أولاً: خريطة السيطرة وتوازنات القوة
لم يعد الصراع في شمال بورنو يقتصر على مواجهة مباشرة بين الجيش النيجيري والجماعات المسلحة، بل تطور إلى مشهد متعدد المستويات يمكن تلخيصه في ثلاثة مكونات رئيسية:
تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (ISWAP) يظل الفاعل الأكثر تنظيماً ونفوذاً في المناطق الريفية، حيث يحتفظ بحضور واسع في أجزاء من حوض بحيرة تشاد والجزر التابعة له، إضافة إلى مناطق مثل مارته، وديكوا، وران، ومحيط غابتي ألاغارنو وسامبيسا، مع تفاوت في مستوى السيطرة بين منطقة وأخرى.
في المقابل، تراجع نفوذ جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد (بوكو حرام) إلى جيوب محدودة، خصوصاً في مناطق جبال غوزا وبعض المناطق الوعرة، حيث تخوض معارك مستمرة للحفاظ على وجودها أمام الضغوط التي يمارسها تنظيم ISWAP.
أما الجيش النيجيري، من خلال عملية Hadin Kai، فيواصل السيطرة على المدن الرئيسية والقواعد العسكرية المحصنة، بينما تبقى مساحات واسعة من الأرياف والطرق خارج سيطرة الدولة بصورة دائمة، ما يمنح الجماعات المسلحة حرية أكبر في الحركة.
ثانياً: الهيكل القيادي والقدرات البشرية
على الرغم من مقتل عدد من القيادات البارزة في التنظيم، ومن بينهم أبو بلال المنوكي خلال عملية مشتركة في مايو/أيار 2026، فإن تنظيم ISWAP أظهر قدرة واضحة على المحافظة على تماسكه التنظيمي.
ويعتمد التنظيم بصورة متزايدة على هيكل قيادي لامركزي يقوم على مجالس الشورى المحلية وقادة القطاعات، وهو ما يقلل من تأثير استهداف القيادات العليا.
وتتراوح تقديرات عدد مقاتلي التنظيم بين 3500 و5000 عنصر، مدعومين بعناصر أجنبية قادمة من النيجر وتشاد، إضافة إلى مجندين محليين، في حين تشير معظم التقديرات إلى أن عدد مقاتلي بوكو حرام لا يتجاوز ألفي عنصر.
ثالثاً: الاقتصاد الحربي وشبكات الإمداد
نجح تنظيم ISWAP خلال السنوات الأخيرة في تطوير نموذج تمويل يعتمد بدرجة كبيرة على الموارد المحلية.
ويفرض التنظيم رسوماً وإتاوات على أنشطة الصيد والزراعة والتجارة في عدد من المناطق الواقعة حول بحيرة تشاد، إضافة إلى فرض ضرائب على حركة البضائع، وهو ما يوفر له دخلاً ثابتاً يقلل من اعتماده على مصادر التمويل الخارجية.
كما يستفيد التنظيم من الطبيعة المفتوحة للحدود بين نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون لتسهيل حركة الوقود والأسلحة والمقاتلين، إلى جانب استمرار الروابط مع الشبكات المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية.
رابعاً: التحولات التكتيكية
تشير التطورات الميدانية خلال عام 2026 إلى تغير واضح في طبيعة عمليات التنظيم.
فقد أصبحت الهجمات أكثر تركيزاً على القواعد العسكرية بهدف الاستيلاء على الأسلحة والذخائر وإضعاف القدرات القتالية للجيش، بدلاً من تنفيذ هجمات محدودة التأثير.
كما يستمر الاقتتال بين ISWAP وبوكو حرام حول مناطق النفوذ وخطوط الإمداد، خاصة في محيط بحيرة تشاد.
وفي الوقت نفسه، ما تزال عمليات اختطاف المدنيين، بمن فيهم الطلاب، تمثل إحدى أدوات الضغط المالي والتجنيد القسري التي تستخدمها الجماعات المسلحة.
ومن أبرز التحولات خلال العام الجاري تنامي استخدام الطائرات المسيّرة التجارية المعدلة في مهام الاستطلاع، مع وجود مؤشرات على محاولات توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المواد الدعائية وتحسين المحتوى الإعلامي، إلا أن الأدلة المتاحة حتى الآن لا تشير إلى استخدام واسع للذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات القتالية.
خلاصة
تشير المؤشرات الحالية إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا تمكن من ترسيخ نموذج حكم محلي محدود في بعض المناطق الريفية، مستنداً إلى موارد اقتصادية محلية، وهيكل تنظيمي مرن، وقدرة متزايدة على التكيف مع الضغوط العسكرية.
وفي المقابل، ما تزال القوات النيجيرية تحتفظ بالتفوق في السيطرة على المراكز الحضرية، لكنها تواجه تحدياً مستمراً في فرض وجود دائم داخل المناطق الريفية الشاسعة.
ويبدو أن نجاح الاستراتيجية النيجيرية والإقليمية في المرحلة المقبلة سيعتمد على أكثر من مجرد العمليات العسكرية، إذ يتطلب إضعاف اقتصاد التنظيم، وتعزيز الرقابة على الحدود، واستعادة الحضور الحكومي في المناطق الريفية، بالتوازي مع تحسين الخدمات الأساسية للسكان المحليين، للحد من قدرة الجماعات المسلحة على استغلال الفراغ الأمني والإداري.





