أعلنت الحكومة النيجيرية إطلاق عملية إجلاء طوعية لمواطنيها من جنوب إفريقيا بعد تصاعد موجة جديدة من أعمال العنف المرتبطة برهاب الأجانب، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تكرار مشاهد الاضطرابات التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الماضية.
ووافق الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو على تمويل خمس رحلات جوية مجانية عبر شركة “إير بيس” النيجيرية لنقل المواطنين الراغبين في العودة، فيما أكدت وزارة الخارجية النيجيرية أن أكثر من ألف مواطن سجلوا أسماءهم للمغادرة بعد استكمال إجراءات التدقيق الأمني.
وتأتي هذه الخطوة بعد تزايد التهديدات والاحتجاجات المناهضة للمهاجرين في عدد من المدن والبلدات الجنوب إفريقية، ما دفع السلطات النيجيرية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية رعاياها.
كما وافقت سلطات جنوب إفريقيا على إسقاط الغرامات والعقوبات المرتبطة بمخالفات التأشيرات أو تجاوز مدة الإقامة لتسهيل مغادرة الراغبين في العودة إلى بلادهم.
وفي المقابل، أدان الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا أعمال العنف وكراهية الأجانب، متعهداً بملاحقة المتورطين في الاعتداءات وحماية جميع المقيمين داخل البلاد.
أزمة متكررة تعود إلى الواجهة
لا تعد موجة العنف الحالية حدثاً معزولاً في جنوب إفريقيا، بل تأتي ضمن سلسلة من الاضطرابات المرتبطة برهاب الأجانب شهدتها البلاد أعوام 2008 و2015 و2019، قبل أن تتجدد مجدداً خلال عام 2026.
ويرى مراقبون أن جذور الأزمة ترتبط بتشابك عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، جعلت المهاجرين الأفارقة هدفاً متكرراً للغضب الشعبي كلما تفاقمت الأوضاع المعيشية.
البطالة والفقر في صدارة الأسباب
تواجه جنوب إفريقيا واحدة من أعلى معدلات البطالة في العالم، إذ تتجاوز نسبة البطالة العامة 32%، بينما تتخطى 50% بين فئة الشباب في بعض المناطق.
وفي الأحياء الفقيرة والمهمشة، يعتقد كثير من السكان المحليين أن المهاجرين القادمين من دول مثل نيجيريا وزيمبابوي وموزمبيق والصومال ينافسونهم على فرص العمل المحدودة، خصوصاً في الاقتصاد غير الرسمي والتجارة الصغيرة.
هذا التصور يغذي مشاعر الاحتقان الاجتماعي ويحول المهاجرين إلى شماعة تُعلق عليها الأزمات الاقتصادية المتفاقمة.
الجريمة والصور النمطية
تساهم بعض الصور النمطية المتداولة في المجتمع الجنوب إفريقي في تأجيج التوترات، إذ يجري في كثير من الأحيان ربط المهاجرين، وخاصة النيجيريين، بجرائم المخدرات والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر.
ورغم أن الغالبية الساحقة من المهاجرين تعمل في أنشطة قانونية وتجارية مشروعة، فإن حوادث فردية محدودة كثيراً ما تُستخدم لتبرير خطاب عدائي يستهدف الجاليات الأجنبية بشكل جماعي.
إرث الأبارتهايد والعزلة الاجتماعية
يرى باحثون في علم الاجتماع أن عقود نظام الفصل العنصري تركت آثاراً عميقة على المجتمع الجنوب إفريقي، الذي عاش لفترات طويلة في عزلة نسبية عن بقية دول القارة.
ومع انفتاح البلاد بعد عام 1994 وتزايد تدفقات المهاجرين الأفارقة، برزت صعوبات في الاندماج الثقافي والاجتماعي، ما جعل المهاجرين عرضة للاتهامات والعداء خلال فترات الأزمات الاقتصادية والسياسية.
الهجرة ورقة سياسية
ازدادت حدة التوترات في السنوات الأخيرة مع صعود حركات وأحزاب شعبوية تضع ملف الهجرة غير النظامية في صلب خطابها السياسي.
وتتهم منظمات حقوقية بعض هذه الحركات، مثل “عملية دودولا” (Operation Dudula)، باستغلال الإحباط الشعبي وتحويله نحو المهاجرين بدلاً من معالجة الأسباب الحقيقية للأزمات المرتبطة بالخدمات والبطالة والتنمية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الخطاب قد يؤدي إلى مزيد من أعمال العنف ويهدد صورة جنوب إفريقيا كواحدة من أكثر الدول انفتاحاً وتنوعاً في القارة.





