وصلت الكارثة الإنسانية في السودان إلى ما وصفته وكالات الأمم المتحدة بـ«نقطة تحول حرجة»، مع مواجهة ما يقارب نصف سكان البلاد مستويات حادة من الجوع بينما تدخل الحرب الأهلية عامها الرابع.
ووفقًا لتقييم مشترك صدر بين 14 و15 مايو 2026 عن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، فإن نحو 19.5 مليون شخص، أي ما يعادل 41 في المئة من سكان السودان، يعانون حاليًا من انعدام أمن غذائي حاد مصنف ضمن المرحلة الثالثة أو أعلى.
ويرسم التقرير صورة متدهورة للجوع واسع النطاق وانهيار الخدمات العامة وتصاعد العوائق الإنسانية وسط استمرار العنف في أجزاء واسعة من البلاد.
اتساع نطاق الجوع الكارثي
وأوضح التقييم أن نحو 135 ألف شخص يواجهون الآن ظروف «كارثة» ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي قبل إعلان المجاعة رسميًا.
ويعاني الأشخاص في هذه المرحلة من نقص حاد في الغذاء وسوء تغذية خطير ومخاطر مرتفعة للوفاة بسبب الجوع والأمراض.
كما صُنّف أكثر من خمسة ملايين شخص ضمن مرحلة «الطوارئ»، بينما يواجه نحو 14 مليونًا ظروف «الأزمة».
ورغم أن التقييم لم يعلن رسميًا حدوث مجاعة في أي منطقة، فقد حدد 14 بؤرة عالية الخطورة في دارفور وكردفان يمكن أن تنزلق سريعًا نحو المجاعة إذا لم يتحسن وصول المساعدات.
ومن بين المناطق الأكثر إثارة للقلق الفاشر في شمال دارفور وأجزاء من جنوب دارفور ومناطق النزاع في جنوب كردفان بما في ذلك كادقلي.
ويعزو التقرير تفاقم الأزمة إلى الحصار الطويل والاشتباكات المسلحة والنزوح الجماعي وانهيار البنية الصحية الأساسية.
وفي بعض مناطق شمال دارفور، سجلت دراسات التغذية معدلات سوء تغذية حاد عالمي بلغت 53 في المئة، وهو مستوى يتجاوز بكثير حدود الطوارئ المعترف بها دوليًا.
الأطفال يتحملون العبء الأكبر
وحذرت وكالات الأمم المتحدة من أن الأطفال يظلون من أكثر الفئات تضررًا من أزمة الجوع المرتبطة بالحرب.
ومن المتوقع أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم خلال عام 2026، بزيادة سبعة في المئة مقارنة بعام 2025 ونحو 25 في المئة فوق مستويات ما قبل الحرب.
وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة بأن أكثر من 98 ألفًا و500 طفل تلقوا العلاج من سوء التغذية الحاد الوخيم بين يناير ومارس 2026.
لكن المسؤولين الإنسانيين حذروا من أن الوصول إلى العلاج لا يزال محدودًا بشدة، إذ توقفت ما بين 40 و70 في المئة من المرافق الصحية في مناطق النزاع عن العمل.
كما ساهم تدمير العيادات ونقص الكوادر الطبية وانعدام الأمن على طرق النقل في تقويض جهود الوصول إلى السكان الأكثر ضعفًا.
ضغوط اقتصادية واضطرابات إقليمية
وربطت الوكالات الإنسانية أيضًا تدهور أزمة الغذاء في السودان بالاضطرابات الإقليمية الأوسع، خاصة استمرار الصراع في الشرق الأوسط.
وقال مسؤولون إن تعطل طرق التجارة والشحن أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف الوقود والأسمدة والمواد الغذائية المستوردة.
كما زادت تكاليف النقل والمخاطر اللوجستية من تعقيد العمليات الإنسانية وأضعفت الأسواق المحلية الهشة أصلًا.
وحذرت الوكالات من أن هذه الضغوط تهدد موسم الزراعة المقبل في يوليو، ما يثير مخاوف من مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي لاحقًا هذا العام.
صعوبات التمويل والوصول تعرقل المساعدات
ولا تزال المنظمات الإنسانية تواجه تحديات تشغيلية كبيرة في توسيع نطاق المساعدات.
ووفقًا للتقييم، لم يحصل برنامج الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 سوى على 20 في المئة من التمويل المطلوب حتى أواخر أبريل، ما ترك برامج الغذاء والصحة والتغذية تعاني نقصًا حادًا في الموارد.
وفي الوقت نفسه، تحدثت وكالات الإغاثة عن قيود إدارية مستمرة وهجمات على طرق الإمداد الإنسانية ودمار واسع للبنية التحتية والأسواق المحلية.
وحذر برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة من أن مستويات المساعدات الحالية لا تزال أقل بكثير من المطلوب لتحقيق الاستقرار.
تحذيرات قبل موسم الشح
وحذرت وكالات الأمم المتحدة من أن الوضع قد يتدهور بشكل كبير خلال موسم الشح المقبل بين يونيو وسبتمبر، حين تنخفض مخزونات الغذاء وتتراجع فرص الوصول إلى مصادر الدخل الزراعي.
وأكد المسؤولون أن عدم التوصل إلى وقف فوري للقتال وزيادة كبيرة في المساعدات الإنسانية قد يدفع ملايين السودانيين إلى مستويات أشد من الجوع والطوارئ خلال الأشهر المقبلة.
ودعت وكالات التصنيف المرحلي وشركاؤها جميع أطراف النزاع إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية بأمان وحماية البنية التحتية المدنية، محذرة من أن أي تأخير إضافي في إيصال المساعدات قد يؤدي إلى عواقب لا يمكن تداركها.





