Connect with us

Hi, what are you looking for?

غرب إفريقيا والساحل

حرب التجويع واستهداف سبل العيش في شمال مالي: هل أصبحت أجلهوك نموذجاً لسياسة الأرض المحروقة؟

تثير التقارير الواردة من محيط بلدة أجلهوك الاستراتيجية في شمال مالي مخاوف متزايدة بشأن تصاعد الانتهاكات ضد المدنيين في مناطق النزاع، بعد اتهامات موجهة إلى القوات المالية وعناصر الفيلق الأفريقي الروسي باستهداف المواشي والخيام والممتلكات المدنية خلال عمليات عسكرية في المنطقة.

وبينما تنفي السلطات المالية بصورة متكررة الاتهامات الموجهة إليها، يرى مراقبون ومنظمات حقوقية أن هذه الحوادث تندرج ضمن نمط أوسع من العمليات التي تستهدف البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات المحلية في شمال البلاد، في سياق حرب معقدة تجمع بين التمردات المسلحة والجماعات الجهادية والصراعات المرتبطة بالهوية والسيادة.

من المواجهة العسكرية إلى استهداف مصادر العيش

في المناطق الصحراوية الممتدة بين كيدال وأجلهوك وتاودني، لا تمثل المواشي مجرد مورد اقتصادي، بل تشكل العمود الفقري للحياة الاجتماعية والمعيشية للسكان المحليين.

وتشير تقارير محلية وشهادات ميدانية إلى أن استهداف قطعان الماشية وإحراق الخيام بات يتكرر في كل المناطق ذات التواجد العسكري للجيش المالي و الروسي، ما يدفع مراقبين إلى وصف هذه الممارسات بأنها جزء من سياسة تهدف إلى تفقير مجتمعات الطوارق المتمردة على الدولة.

المنظمات الحقوقية الدولية و الاقلمية تحذر من أن تطبيق هذه المقاربة بصورة واسعة قد يؤدي عملياً إلى معاقبة السكان المدنيين جماعياً، بغض النظر عن أي صلات فعلية أو مزعومة بالجماعات المسلحة.

ضغوط ميدانية وتغير في طبيعة العمليات

تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه القوات المالية وحلفاؤها الروس تحديات ميدانية متزايدة في شمال البلاد.

فمنذ استعادة الجيش المالي السيطرة على عدة مناطق عقب انسحاب بعثة الأمم المتحدة، شهدت المنطقة سلسلة من الهجمات والكمائن التي نفذتها جماعات مسلحة مختلفة، من بينها الحركات الأزوادية المسلحة وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة.

ويرى محللون أمنيون أن صعوبة السيطرة على المساحات الصحراوية الشاسعة، وارتفاع تكاليف العمليات العسكرية، والضغوط اللوجستية المستمرة، دفعت القوات الحكومية إلى تبني أساليب أكثر تشدداً في إدارة المناطق الريفية المحيطة بمراكز الانتشار العسكري.

وفي هذا السياق، تتحول القرى والتجمعات البدوية أحياناً إلى ساحات مواجهة غير مباشرة، حيث يصبح استهداف الموارد الاقتصادية جزءاً من أدوات الضغط المستخدمة في الحرب.

اتهامات متكررة وانشغال دولي متزايد

لا تعد الاتهامات الموجهة للقوات المالية وحلفائها الروس جديدة في المشهد المالي.

فخلال السنوات الأخيرة، وثقت منظمات دولية عدة، بينها هيئات أممية ومنظمات حقوقية دولية، حوادث قتل خارج نطاق القانون واختفاءات قسرية وانتهاكات ضد المدنيين في مناطق مختلفة من البلاد.

وتظل أحداث بلدة مورا عام 2022 من أكثر الملفات إثارة للجدل، بعدما تحدثت تقارير أممية ومنظمات حقوقية عن مقتل مئات المدنيين خلال عملية عسكرية واسعة، بينما نفت السلطات المالية الروايات التي تحدثت عن وقوع انتهاكات واسعة النطاق.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت العمليات المشتركة بين الجيش المالي والقوات الروسية موضع تدقيق دولي متزايد، خاصة في المناطق الشمالية والوسطى التي تشهد نشاطاً مكثفاً للجماعات المسلحة.

فراغ رقابي بعد رحيل الأمم المتحدة

يربط كثير من المراقبين تصاعد هذه الاتهامات بالفراغ الرقابي الذي أعقب انسحاب بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما).

فقد شكل وجود البعثة لسنوات مصدراً رئيسياً للرصد والتوثيق الميداني للانتهاكات، كما وفر قناة لنقل المعلومات إلى المؤسسات الدولية.

ومع مغادرة البعثة بطلب من السلطات المالية، تقلصت بشكل كبير قدرة المجتمع الدولي على مراقبة التطورات الميدانية بصورة مباشرة، الأمر الذي زاد من صعوبة التحقق المستقل من الوقائع المتداولة في المناطق النائية.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة المالية أن انسحاب البعثة يمثل استعادة للسيادة الوطنية، وأن القوات المسلحة تعمل وفق القانون في إطار مكافحة الإرهاب واستعادة سلطة الدولة.

تداعيات إنسانية تتجاوز الحدود

تكمن خطورة هذه التطورات في أن آثارها لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى البعد الإنساني والإقليمي.

ففي المجتمعات الرعوية الصحراوية، يؤدي فقدان المواشي إلى انهيار مصادر الدخل والغذاء معاً، ما يدفع العائلات إلى النزوح بحثاً عن الأمن وسبل العيش.

وتحذر منظمات إنسانية من أن استمرار هذه الظروف قد يساهم في زيادة موجات النزوح نحو المناطق الأكثر أمناً داخل مالي أو باتجاه دول الجوار، خصوصاً موريتانيا والجزائر والنيجر، التي تستضيف بالفعل أعداداً كبيرة من اللاجئين والنازحين الماليين.

كما أن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية قد يوفر بيئة أكثر ملاءمة لتجنيد الشباب من قبل الجماعات المسلحة، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل بالنسبة لأهداف مكافحة التمرد.

تكشف التطورات الأخيرة في محيط أجلهوك عن تحول متزايد في طبيعة الصراع الدائر في شمال مالي، من مواجهة عسكرية مباشرة بين الدولة والجماعات المسلحة إلى صراع يمس أسس الحياة اليومية للسكان المحليين.

وفي منطقة أنهكتها سنوات من الحرب والتمرد والنزوح، تبدو المعركة على كسب ثقة السكان وحماية سبل عيشهم عاملاً لا يقل أهمية عن المعارك العسكرية الدائرة على الأرض.

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like

الشرق الأوسط

لا يزال الحديث عن جماعة “الأحباش” الدينية في الأردن وتمددها وصعودها يثير العديد من التساؤلات عن حقيقة تلك الجماعة بين الفينة والأخرى، فمن هي...

غرب إفريقيا والساحل

كشفت جماعة نصرة الإسلام و المسلمين في مالي مقتل 70 مسلحا ممن وصفتهم بالخوارح، في إشارة إلى ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وذلك...

Uncategorized

مازالت ليبيا تعاني من حالة عدم استقرار سياسي وأمني مزمنة، في ظل تنافس واضح بين حكومات متنازعة وميليشيات مسلحة تدعمها قوى إقليمية ودولية مختلفة....

إفريقيا

أكد والي ولاية كيدال عن تنظيم جماعة نصرة الاسلام و المسلمين، سيدن أغ هيتا، المعروف حركيا باسم عثمان القيرواني، أن من أهم الأسباب التي...