عززت الحكومة المالية إجراءاتها الأمنية على مستوى البلاد عقب خطاب للرئيس عاصيمي غويتا مساء الثلاثاء، في وقت تعكس فيه التطورات مزيجاً من إظهار الصمود وتصاعد المخاوف مع تزايد نشاط الجماعات المسلحة.
وفي العاصمة باماكو، مددت السلطات حظر التجول الصارم لمدة 72 ساعة إضافية، ليستمر حتى الأول من مايو، حيث يسري يومياً من الساعة التاسعة مساءً حتى السادسة صباحاً، ويشمل جميع بلديات المدينة الست، في إطار حملة أمنية مستمرة تستهدف خلايا يشتبه بانتمائها إلى جماعات مسلحة.
وشهدت العاصمة انتشاراً أمنياً مكثفاً، حيث كثفت الدوريات المشتركة بين الجيش المالي والحرس الوطني عملياتها، خاصة في محيط كاتي ومطار موديبو كيتا الدولي، اللذين كانا هدفين لهجمات منسقة مؤخراً، مع تنفيذ عمليات تفتيش من منزل إلى آخر، في محاولة لمنع أي تسلل جديد.
ورغم التزام السكان بالإجراءات إلى حد كبير، دعت عدة سفارات أجنبية، بينها الولايات المتحدة، رعاياها إلى البقاء في منازلهم خلال ساعات الحظر، كما حذرت الحكومة من نشر معلومات غير موثوقة، مؤكدة أن من يروج لمحتوى يثير الذعر عبر الإنترنت سيواجه الملاحقة القانونية بموجب قوانين الجرائم الإلكترونية.
وتطرق خطاب غويتا إلى مقتل وزير الدفاع الراحل الجنرال ساديو كامارا، الذي كان يعد من أبرز مهندسي المنظومة الدفاعية وشريكاً رئيسياً في التعاون الأمني مع روسيا، حيث قُتل في هجوم بسيارة مفخخة استهدف منزله في كاتي وأدى أيضاً إلى مقتل أفراد من عائلته.
ورغم انتهاء فترة الحداد الرسمية التي استمرت يومين في 28 أبريل، لا تزال الأعلام منكسة فوق المؤسسات الحكومية، فيما يجري التحضير لجنازة رسمية لم يُعلن عن موعدها بعد بسبب المخاوف الأمنية.
وفي شمال البلاد، تشير المعطيات إلى تغير في موازين الميدان، حيث تعمل جماعات مسلحة، بينها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد، على تعزيز نفوذها في مناطق استراتيجية مثل كيدال.
وتفيد مصادر عسكرية ودبلوماسية بأن وحدات مرتبطة بما يعرف بـ“الفيلق الأفريقي” الروسي أعادت تموضعها جنوباً نحو أنيفيس، على بعد نحو 100 كيلومتر، في خطوة تُفسر على أنها إعادة انتشار تكتيكي وليست انسحاباً كاملاً.
ويرى محللون أن الجماعات المسلحة باتت تعتمد بشكل متزايد على تكتيكات غير تقليدية تركز على تعطيل خطوط الإمداد وحرمان القوات الحكومية من الوقود والموارد اللوجستية، بدلاً من السيطرة المباشرة على الأراضي.
وفي المقابل، شن الجيش المالي ضربات جوية محددة استهدفت وحدات مسلحة متحركة، خصوصاً قوافل الدراجات النارية في منطقتي كوليكورو وموبتي، بهدف الحد من توسع نفوذ هذه الجماعات.
وعلى الصعيد الدولي، أشار خطاب غويتا إلى دور الشركاء الخارجيين في ظل تداخل الدعم والتوترات الجيوسياسية، حيث أفادت تقارير بتسريع روسيا إمداداتها العسكرية إلى باماكو، فيما أدانت تركيا الهجمات وأكدت دعمها لجهود مكافحة الإرهاب.
كما أثارت إشارات غويتا إلى وجود “دعم خارجي” للجماعات المسلحة تكهنات بشأن توترات أوسع، حيث يرى محللون أنها تلميح غير مباشر إلى أوكرانيا وبعض الأطراف الغربية، في ظل احتكاكات دبلوماسية مستمرة.
وحتى صباح الأربعاء، لا تزال الأوضاع في مالي هشة، إذ تجمع بين محاولة الحكومة إظهار السيطرة واستمرار الضغوط الأمنية، مع تقدم الجماعات المسلحة في الشمال وتحديات الإمداد الداخلي، ما يعكس بيئة أمنية متقلبة.
وتبقى الأيام المقبلة، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق حظر التجول وقدرة الجيش على تأمين خطوط الإمداد في الشمال، حاسمة في تحديد ما إذا كانت الدولة ستتمكن من استعادة زمام المبادرة أو ستواجه مزيداً من التراجع.





