تغيّرت الحياة الدينية في قطاع غزة بشكل عميق بعد عامين من الحرب، إلا أن شهر رمضان ما زال يشهد مظاهر لافتة من الصمود الروحي بين السكان رغم الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية الدينية.
وتشير بيانات رسمية صادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة وتقديرات إنسانية إلى أن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بالمواقع الدينية في القطاع، بينما ظهرت في الوقت نفسه مبادرات مجتمعية للحفاظ على الصلاة والتعليم الديني.
وتفيد الأرقام بأن أكثر من ألف مسجد، أي ما يقارب تسعة وثمانين في المئة من إجمالي مساجد القطاع، تعرضت للتدمير الكامل أو لأضرار جسيمة نتيجة القصف.
كما طالت الأضرار المواقع المسيحية في غزة، حيث تضررت الكنائس التاريخية الثلاث في القطاع، من بينها كنيسة القديس برفيريوس القديمة التي تعد من أقدم الكنائس في العالم ورمزاً مهماً للحضور المسيحي التاريخي في غزة.
ومع تدمير العديد من المباني الدينية الدائمة، اضطر السكان النازحون إلى إنشاء أماكن بديلة للعبادة. وتشير تقارير إنسانية إلى إقامة أكثر من ثلاثمئة مصلى ومركز مؤقت لتحفيظ القرآن في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، غالباً باستخدام هياكل خشبية وأغطية بلاستيكية.
ورغم الدمار استمرت تقاليد التعليم الديني في القطاع.
فقد اجتمع مئتان وستة وخمسون حافظاً للقرآن في مسجد الشافعي المتضرر جزئياً للمشاركة في لقاء روحي يعرف باسم “صفوة الحفاظ”، حيث حاول المشاركون تلاوة القرآن كاملاً عن ظهر قلب خلال يوم واحد يبدأ من الفجر وينتهي عند غروب الشمس.
وضم اللقاء مشاركين من أعمار وخلفيات مختلفة، بينهم الطفل عبد الرحمن أبو نمر البالغ ثلاثة عشر عاماً، إضافة إلى محمد القيرناوي البالغ واحداً وخمسين عاماً وهو كفيف يواصل المشاركة في مجالس تلاوة القرآن.
ويقول منظمو الفعالية إن هذا اللقاء يمثل عملاً روحياً ورسالة صمود في مواجهة الحرب المستمرة.
ويأتي إحياء رمضان هذا العام في ظل ظروف إنسانية صعبة للغاية.
وتشير تقديرات إنسانية إلى أن نحو تسعين في المئة من سكان غزة يواجهون مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي وفق أعلى درجات التصنيف الدولي للمجاعة.
وفي ظل هذه الظروف أصبح الإفطار، وهو الوجبة التي يكسر بها الصائم صيامه عند غروب الشمس، مسألة ثانوية بالنسبة لكثير من العائلات التي تكافح أساساً لتأمين الغذاء والمياه.
وخارج غزة أيضاً فرضت قيود على الوصول إلى أحد أهم المواقع الإسلامية خلال شهر رمضان.
فقد فرضت السلطات الإسرائيلية قيوداً عمرية صارمة على الفلسطينيين القادمين من الضفة الغربية الراغبين في الصلاة في المسجد الأقصى داخل الحرم القدسي.
وفي الجمعة الثانية من رمضان تمكن نحو مئة ألف مصلٍ من أداء الصلاة، بينما أفادت تقارير بأن آلافاً آخرين مُنعوا من الوصول عند الحواجز.
وفي الوقت نفسه تحاول المؤسسات الدينية المحلية استئناف أنشطتها رغم الخسائر الكبيرة.
وتقول مؤسسة دار القرآن والسنة، وهي من أبرز المؤسسات التعليمية الدينية في القطاع، إنها فقدت عدداً كبيراً من موظفيها إضافة إلى أرشيفها المركزي خلال الحرب.
ورغم ذلك أعادت المؤسسة تشغيل برامجها المجتمعية منذ وقف إطلاق النار المحدود في أكتوبر 2025، حيث تشير تقديراتها إلى إعادة فتح نحو ثلاثمئة حلقة تعليم للقرآن في مناطق مختلفة، بهدف توفير التعليم الديني والدعم النفسي للأطفال والبالغين المتأثرين بالحرب.
مؤشرات البنية الدينية في غزة
المساجد المدمرة أو المتضررة بشدة: أكثر من ألف مسجد
نسبة المساجد المتضررة: نحو 89 في المئة
أماكن العبادة المؤقتة في المخيمات: أكثر من 300
المشاركون في جلسة تلاوة القرآن الجماعية: 256
وبالنسبة لكثير من سكان غزة يبقى الإيمان أحد الثوابت القليلة في ظل استمرار الحرب.
فعلى الرغم من الدمار الذي لحق بالمساجد والظروف الإنسانية القاسية، لا تزال التجمعات الرمضانية، سواء في مبانٍ متضررة أو خيام مؤقتة، تعبيراً قوياً عن قدرة المجتمع على التمسك بحياته الروحية.





