يشهد المشهد الأمني في نيجيريا تحولًا ملحوظًا مع تلاقي تدهور الاستقرار الداخلي مع سياسة خارجية أمريكية أكثر حزمًا في عهد الرئيس دونالد ترامب. فتصاعد الهجمات الدامية في شمال نيجيريا، إلى جانب توسع الانخراط العسكري الأمريكي، يشير إلى مرحلة جديدة ومعقدة في العلاقات بين أبوجا وواشنطن.
مجزرة تونغان دوتسي
قُتل ما لا يقل عن 50 شخصًا في هجوم ليلي وقع بين 19 و20 فبراير/شباط في قرية تونغان دوتسي بمنطقة بوكويوم في ولاية زامفارا. ووفقًا لنواب محليين ومصادر أمنية، حاصر مسلحون مدججون بالسلاح يستقلون دراجات نارية البلدة من مساء الخميس حتى صباح الجمعة.
وأفاد سكان بأن أكثر من 150 دراجة نارية شوهدت تتجه نحو المنطقة قبل يوم من الهجوم. وعلى الرغم من التحذيرات التي أُبلغت إلى القوات الأمنية، لم يُتخذ أي إجراء وقائي.
إلى جانب القتلى المؤكدين، اختُطف عدد غير محدد من النساء والأطفال. ويعمل مسؤولون محليون على إعداد قوائم بالمفقودين بينما تواصل العائلات البحث عن ذويها.
ويأتي الهجوم بعد مجزرة مماثلة هذا الشهر في وورو بولاية كوارا، حيث قُتل ما لا يقل عن 162 شخصًا في 4 فبراير/شباط. وتبرز الهجمات المتتالية تصعيدًا حادًا في أنشطة “العصابات المسلحة” في مناطق الشمال الغربي والوسط الشمالي من البلاد.
ويحذر محللون أمنيون من أن اتساع نطاق هذه الهجمات وتزايد مستوى التنسيق فيها يشيران إلى شبكات أكثر تنظيمًا تمتلك أسلحة متطورة ووسائل تنقل سريعة.
توسع الانخراط العسكري الأمريكي
في ظل تصاعد انعدام الأمن، زادت الولايات المتحدة بشكل ملحوظ من حضورها العملياتي في نيجيريا.
ففي 16 فبراير/شباط، أكدت وزارة الدفاع النيجيرية وصول 100 جندي أمريكي — يُشار إليهم بشكل غير رسمي باسم “المئة” — إلى قاعدة باوتشي الجوية. وأوضح مسؤولون أن الانتشار يقتصر على أدوار غير قتالية تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية وعمليات المراقبة والتدريب المتقدم للقوات النيجيرية.
وتهدف المهمة الأمريكية إلى تعزيز قدرة نيجيريا على مواجهة جماعات مسلحة مثل بوكو حرام، وتنظيم الدولة في غرب إفريقيا، ولاكوروا، وهي جماعة يُقال إنها مرتبطة بشبكات متطرفة في منطقة الساحل.
ويأتي هذا الانتشار عقب عملية جوية أمريكية مثيرة للجدل نُفذت في 25 ديسمبر/كانون الأول 2025 في ولاية سوكوتو. ووصف الرئيس ترامب الضربة بأنها “قوية وقاتلة” ضد مقاتلين مرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية. غير أن روايات محلية أفادت بأن الضربة استهدفت مجتمعًا ريفيًا في جابو دون وجود مؤكد لعناصر إرهابية، ما أثار جدلًا بشأن مخاطر استهداف المدنيين وشفافية العمليات.
وبينما يؤكد مسؤولون أمريكيون أن الدور يظل استشاريًا، يرى منتقدون أن التوسع في الحضور يعكس عسكرة أوسع للعلاقات الثنائية.
إعادة اصطفاف دبلوماسي
يمثل تطور الشراكة الأمنية تحولًا لافتًا في العلاقات بين أبوجا وواشنطن.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، صنّف الرئيس ترامب نيجيريا “دولة ذات قلق خاص”، مستشهدًا بمزاعم عن “إبادة جماعية بحق المسيحيين”، وهو قرار تسبب في توتر دبلوماسي أولي مع إدارة الرئيس بولا تينوبو.
لكن مع تصاعد انعدام الأمن، طلبت نيجيريا رسميًا المساعدة الأمريكية، ما أدى إلى ما يصفه مراقبون بنهج دبلوماسي “عسكري أولًا”. وبموجب هذا الترتيب، يتم تبادل الدعم التقني والاستخباراتي الأمريكي مقابل مواءمة نيجيرية أعمق في مبادرات مكافحة الإرهاب.
ومن المتوقع أن تعقد مبادرة تقودها الولايات المتحدة تُعرف باسم “مجلس السلام” اجتماعًا قريبًا لبحث تدخلات إقليمية، بما في ذلك الاستجابة لتصاعد العنف في منطقة الساحل والضفة الغربية. ورغم محدودية التفاصيل بشأن جدول أعمالها، تشير المبادرة إلى نية واشنطن توسيع انخراطها الاستراتيجي في مناطق مضطربة.
لحظة حاسمة
بالنسبة لنيجيريا، تظل الأولوية الفورية هي استعادة الأمن في المجتمعات الهشة. غير أن تلاقي العنف الداخلي مع توسع الانخراط العسكري الأجنبي يطرح تساؤلات استراتيجية بعيدة المدى.
فهل سيؤدي تعزيز تبادل المعلومات والتدريب إلى عكس مسار الهجمات الجماعية؟ أم أن تعميق الانخراط الخارجي سيزيد من تعقيد بيئة أمنية هشة أصلًا؟
ومع استمرار المجتمعات في حدادها على ضحايا تونغان دوتسي وغيرها من المجازر الأخيرة، قد تحدد الإجابات مسار نيجيريا — وتحالفاتها الدولية — لسنوات مقبلة.





