يمثل قرار جنوب أفريقيا سحب قواتها من بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUSCO) بحلول نهاية عام 2026 إعادة ضبط جوهرية لسياستها الخارجية والأمنية، واضعاً حداً لما يقارب ثلاثة عقود من المشاركة المتواصلة في عمليات حفظ السلام الأممية داخل الكونغو.
ويعكس القرار ضغوطاً متزايدة على القوات المسلحة الجنوب أفريقية، إلى جانب تزايد الشكوك داخل دوائر صنع القرار في بريتوريا بشأن جدوى واستدامة بعثات الأمم المتحدة واسعة النطاق، في بيئات أمنية باتت أكثر عدائية وتعقيداً.
قدرات عسكرية تحت الضغط
رسمياً، تصف الحكومة الانسحاب بأنه “إعادة تنظيم وترشيد للموارد”، غير أن محللين يرون فيه مؤشراً على أزمات أعمق داخل المؤسسة العسكرية. فسنوات من ضعف التمويل، وتقادم العتاد، واستنزاف القوات في مهام خارجية طويلة الأمد، أدت إلى تآكل الجاهزية العملياتية للجيش الجنوب أفريقي.
وتفاقمت هذه الضغوط في عام 2025، حين تكبدت جنوب أفريقيا خسائر بشرية كبيرة في بعثات إقليمية، أبرزها مقتل 17 جندياً ضمن مهمة تابعة لمجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (سادك). وقد أثارت تلك الخسائر نقاشاً داخلياً حاداً حول ما إذا كانت التزامات البلاد العسكرية الخارجية تتجاوز قدراتها الفعلية.
تدهور متسارع للوضع الأمني شرق الكونغو
يتزامن القرار مع تدهور ملحوظ للوضع الأمني في شرق الكونغو، حيث باتت الجماعات المسلحة، وعلى رأسها حركة “إم23”، أكثر تنظيماً وتسليحاً، مع استخدام تقنيات متقدمة نسبياً، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، وتنفيذ هجمات منسقة على بنى تحتية حيوية.
هذا التحول جعل خطوط التماس بين “حفظ السلام” و”الانخراط القتالي المباشر” أكثر ضبابية، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى ملاءمة تفويض بعثة MONUSCO وقدرتها على العمل بفعالية في نزاع لا تظهر عليه مؤشرات تهدئة قريبة.
من الإطار الأممي إلى المقاربة الإقليمية
لا يعني الانسحاب الجنوب أفريقي تخلياً كاملاً عن الكونغو، بل يعكس تحولاً في المقاربة. فقد أكدت بريتوريا استمرار مشاركتها في بعثة مجموعة سادك في الكونغو (SAMIDRC)، في إشارة واضحة إلى تفضيل الأطر الإقليمية على العمليات الأممية متعددة الأطراف.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس قناعة متنامية لدى عدد من الدول الأفريقية بأن التحالفات الإقليمية أكثر انسجاماً سياسياً وأسرع استجابة ميدانياً من بعثات الأمم المتحدة، التي غالباً ما تُقيّدها ولايات معقدة وآليات قرار بطيئة.
تداعيات على MONUSCO والمنطقة
يضيف انسحاب جنوب أفريقيا عبئاً إضافياً على بعثة MONUSCO، التي تواجه بالفعل عملية تقليص تدريجي لقوامها، في ظل مطالب متكررة من الحكومة الكونغولية بتقليص الوجود الأممي. ويثير خروج قوة ذات خبرة وتجهيز نسبي جيد تساؤلات حول قدرة البعثة المتبقية على الردع، في وقت تتصاعد فيه حدة العنف شرق البلاد.
بالنسبة لجنوب أفريقيا، يمثل القرار نهاية أحد أطول التزاماتها العسكرية الخارجية، ويعكس توجهاً نحو انكفاء استراتيجي مدفوع باعتبارات داخلية وإعادة تقييم لكيفية الإسهام في أمن واستقرار الإقليم.
ومع بدء تنفيذ الانسحاب، سيتجه الاهتمام إلى قدرة القوات الإقليمية على سد الفراغات الأمنية التي قد تتركها بعثات الأمم المتحدة، وإلى ما إذا كان الرهان الجنوب أفريقي على الأمن الإقليمي سيحقق توازناً أفضل بين الطموح والقدرة على المدى الطويل.





