دخلت المواجهة المستمرة منذ سنوات بين الولايات المتحدة وإيران إحدى أخطر مراحلها، مع تصاعد الاستعراض العسكري في الشرق الأوسط بالتوازي مع جهود دبلوماسية غير معلنة تهدف إلى تجنب صراع إقليمي واسع.
ويصف مسؤولون أميركيون المرحلة الحالية بأنها استراتيجية «مسارين»، تقوم على ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري مع الإبقاء على قناة تفاوض ضيقة مفتوحة.
استعراض عسكري في بحر العرب
يتمحور التصعيد حول نشر مجموعة بحرية أميركية قوية تقودها حاملة الطائرات أبراهام لنكولن في بحر العرب. وقد أمر الرئيس الأميركي بنشرها رداً على ما تصفه واشنطن بالقمع الدموي للاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران خلال يناير/كانون الثاني 2026.
ورسمت الإدارة الأميركية خطاً أحمر بشأن إعدام المحتجين المعتقلين، مشيرة بالاسم إلى قضية الشاب عرفان سلطاني البالغ من العمر 26 عاماً. وحذر الرئيس من أن جميع الخيارات، بما في ذلك العمل العسكري المباشر، ستكون مطروحة في حال تنفيذ الإعدامات.
وردت القيادة الإيرانية بتحذيرات حادة مماثلة. إذ وصف المرشد الأعلى الاحتجاجات بأنها انقلاب مدعوم من الخارج، متهماً الولايات المتحدة وحلفاءها بمحاولة زعزعة الاستقرار. وفي خطاب ألقاه في الأول من فبراير، حذر من أن أي ضربة أميركية ستشعل حرباً إقليمية أوسع، مهدداً بالرد على قواعد أميركية وحلفائها، بما في ذلك إسرائيل.
دبلوماسية هادئة عبر وسطاء إقليميين
رغم حدة الخطاب، تؤكد مصادر رسمية متعددة أن قنوات دبلوماسية خلفية لا تزال نشطة.
وبرزت تركيا، إلى جانب مصر وقطر، كوسيط رئيسي في ما يطلق عليه دبلوماسيون «مسار أنقرة». وتشير التقارير إلى تحضيرات لعقد لقاء محتمل في أنقرة خلال هذا الأسبوع بين مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف ومسؤولين إيرانيين كبار، بهدف وضع إطار أولي للتفاوض.
وأبدى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قدراً من التفاؤل الحذر في مقابلة مع شبكة سي إن إن في الأول من فبراير، قائلاً إنه يعتقد أن الرئيس الأميركي «حكيم بما يكفي» لتجنب حرب شاملة، لكنه اتهم أطرافاً إقليمية لم يسمها بمحاولة جر واشنطن إلى صراع مع طهران.
البرنامج النووي في صلب الأزمة
يبقى البرنامج النووي الإيراني القضية الأكثر حساسية وتأثيراً في هذه المواجهة. وتؤكد الولايات المتحدة أن ضربات نفذتها في يونيو/حزيران 2025 دمرت منشآت نووية إيرانية رئيسية، غير أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تتمكن من التحقق من هذه الادعاءات بشكل مستقل بسبب منع المفتشين من الوصول إلى مواقع عدة.
وقال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي إن طهران لم تعد تعتبر نفسها ملتزمة بسقف تخصيب اليورانيوم عند 60 في المئة منذ إعادة فرض العقوبات الدولية العام الماضي. ورغم تأكيده أن السلاح النووي «لا مكان له» في العقيدة الدفاعية الإيرانية، يرى مسؤولون غربيون أن تجاوز هذا المستوى يمثل خطراً كبيراً على صعيد الانتشار النووي.
فجوات عميقة في مواقف التفاوض
تواجه أي مفاوضات مستقبلية عقبات كبيرة. فواشنطن تطالب بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم داخل إيران، ونقل المخزونات النووية القائمة، وفرض قيود صارمة على تطوير الصواريخ بعيدة المدى. في المقابل، تصر طهران على الاعتراف بحقها في الطاقة النووية السلمية، وتعتبر برنامجها الصاروخي غير قابل للتفاوض باعتباره ركناً أساسياً في الردع الوطني.
وتشكل العقوبات نقطة خلاف مركزية أخرى، إذ تعهدت الإدارة الأميركية بمواصلة سياسة «الضغط الأقصى» إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي، بينما يرى المسؤولون الإيرانيون أن رفع العقوبات بالكامل يجب أن يسبق أي خطوات لبناء الثقة.
كما يختلف الطرفان جذرياً بشأن التعامل مع الاحتجاجات الداخلية في إيران، حيث تدعو الولايات المتحدة إلى وقف فوري للعنف ضد المتظاهرين، في حين تؤكد طهران أنها تواجه محاولة انقلاب ضد الدولة.
نافذة ضيقة
في وقت تناور فيه السفن الحربية في بحر العرب ويتنقل فيه الدبلوماسيون بهدوء بين العواصم، يحذر محللون من أن الأيام المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الأزمة ستنتهي بصراع مفتوح أو تتحول إلى مفاوضات هشة.
وفي الوقت الراهن، تعكس هذه المواجهة نمطاً مألوفاً لكنه بالغ الخطورة في العلاقات الأميركية–الإيرانية: تهديدات قصوى تقابلها دبلوماسية اللحظة الأخيرة، مع رهان كل طرف على أن الطرف الآخر سيتراجع في النهاية.





