لا تزال التوترات بين الولايات المتحدة وإيران مرتفعة في وقت يستعد فيه الطرفان لجولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة في جنيف، بعد ما يقرب من ثمانية أشهر من التوتر الدبلوماسي الذي أشعلته ضربات جوية أميركية استهدفت منشآت نووية إيرانية رئيسية.
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى عملية «مطرقة منتصف الليل» (Operation Midnight Hammer)، وهي ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 22 يونيو/حزيران 2025 واستهدفت ثلاثة مواقع نووية رئيسية في إيران — منشأة فوردو لتخصيب الوقود، ومنشأة نطنز النووية، ومركز أصفهان للتكنولوجيا النووية. وشملت العملية قاذفات الشبح «بي-2» ومقاتلات «إف-35». وقد وصف البيت الأبيض آنذاك المنشآت بأنها «دُمّرت بالكامل»، في حين خلص تقييم لاحق لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى أن البرنامج النووي الإيراني تراجع بنحو عامين تقريبًا، من دون أن يُفكك بشكل دائم.
استئناف عمليات التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية
في فبراير/شباط 2026، أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن المفتشين الدوليين عادوا إلى إيران. ووفقًا لغروسي، استعاد المفتشون الوصول إلى معظم المواقع النووية المعلنة، غير أن المناطق التي تضررت مباشرة من ضربات يونيو لا تزال غير متاحة.
وأوضح غروسي أنه لم تُسجّل أي تسربات إشعاعية، لكنه حذر من أن ظروف السلامة والأمن في المنشآت المتضررة «تدهورت بشكل حاد»، ما يثير مخاوف مستمرة بشأن معايير المراقبة والتحقق.
وتواصل طهران نفي أي نية لامتلاك سلاح نووي. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذا الشهر أن حق إيران في التكنولوجيا النووية السلمية «غير قابل للتفاوض»، واصفًا أنشطة التخصيب بأنها حق سيادي بموجب القانون الدولي.
محادثات جنيف واحتمال اتفاق مرحلي
من المقرر عقد جولة ثالثة من المفاوضات غير المباشرة في 26 فبراير/شباط 2026 في جنيف. ومن المتوقع أن يقود الوفد الأميركي المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، فيما تواصل سلطنة عُمان أداء دور الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن النقاشات قد تتركز على «اتفاق مرحلي» تدريجي. وبموجب هذا الإطار، قد تقوم إيران بتخفيف نسبة من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب مقابل تخفيف جزئي للعقوبات. ولم يؤكد أي من الطرفين رسميًا تفاصيل هذا الطرح، إلا أن المسؤولين يصفون المحادثات بأنها تركز على خفض التصعيد بدلًا من تسوية شاملة طويلة الأمد.
وفي خطاب حالة الاتحاد لعام 2026، شدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على استراتيجية «الدبلوماسية أولًا»، مع تأكيده استمرار نهج «الضغط الأقصى»، في إشارة إلى بقاء الردع العسكري قائمًا بالتوازي مع المفاوضات.
تصاعد الاستعراض العسكري
رغم استئناف المسار الدبلوماسي، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط بشكل ملحوظ. فقد نشر البنتاغون أكبر قوة بحرية في المنطقة منذ عام 2003، بما في ذلك حاملتا الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» و«يو إس إس جيرالد آر. فورد»، وكل منهما ترافقها مجموعة قتالية بحرية.
كما أطلع مسؤولون في الاستخبارات الأميركية الكونغرس على استمرار تطوير إيران لأنظمة صواريخ باليستية متقدمة، من بينها مشاريع قد تمتد إلى مدى عابر للقارات. غير أن المحللين يختلفون حول ما إذا كانت طهران تمتلك حاليًا قدرة موثوقة لضرب البر الرئيسي الأميركي.
ضغوط داخلية في إيران
تتزامن العملية الدبلوماسية مع اضطرابات داخلية كبيرة في إيران. وتشير تقارير منظمات حقوقية إلى حملة قمع عنيفة ضد احتجاجات مناهضة للحكومة في يناير/كانون الثاني 2026، مع تقديرات لعدد الضحايا تصل إلى الآلاف، من دون تأكيد رسمي من السلطات الإيرانية.
ويضيف عدم الاستقرار الداخلي تعقيدًا للمفاوضات، في ظل مواجهة القيادة الإيرانية ضغوطًا خارجية تتمثل في العقوبات والتهديدات العسكرية، إلى جانب ضغوط داخلية ناجمة عن السخط الشعبي.
خطوط حمراء متباينة
لا يزال جوهر الخلاف دون تغيير:
تصر الولايات المتحدة على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مع تأكيد مطالب «صفر تخصيب» ووقف دعم طهران لجماعات حليفة في المنطقة.
تسعى إيران إلى رفع العقوبات والاعتراف الدولي بسيادتها، مؤكدة أن الاحتفاظ بـ«حق التخصيب» لأغراض سلمية خط أحمر.
تواصل الوكالة الدولية للطاقة الذرية المطالبة بوصول كامل وغير مقيد إلى جميع المواقع النووية، بما في ذلك تلك التي تضررت في ضربات يونيو/حزيران 2025.
ومع استئناف المحادثات في جنيف، يصف دبلوماسيون اللحظة بأنها هشة لكنها حاسمة. وما إذا كانت المفاوضات الحالية ستفضي إلى تجميد مؤقت أو اتفاق مرحلي منظم أو تصعيد جديد، فقد يحدد معالم الأمن الإقليمي لسنوات مقبلة.





