أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إشعال التوتر مع حلفاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وشكك في موثوقية الحلف، وأعلن إطاراً أمنياً جديداً يتعلق بغرينلاند، وذلك خلال اجتماعات عقدت على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وفقاً لمسؤولين وتقارير إعلامية.
وتأتي هذه التصريحات والإعلانات في ظل تجدد التوتر عبر الأطلسي، بعد انتقادات ترامب للدور العسكري السابق للناتو، واقتراحه استخدام الحلف لتأمين الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، إلى جانب مفاوضات جارية بشأن التعاون الأمني في القطب الشمالي.
التشكيك في موثوقية الناتو
قال ترامب في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، يوم الخميس 22 يناير/كانون الثاني، إنه «غير متأكد» من أن دول الناتو ستدافع عن الولايات المتحدة إذا تعرضت لتهديد.
كما زعم أن حلفاء الناتو الذين نشروا قواتهم في أفغانستان «بقوا قليلاً إلى الخلف، بعيداً عن خطوط المواجهة»، ما ألقى بظلال من الشك على مساهماتهم القتالية خلال الحرب التي استمرت عقدين.
وأثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة في بريطانيا. ووصف وزير الرعاية الاجتماعية البريطاني ستيفن كينوك التصريحات بأنها «مخيبة للآمال بشدة» و«خاطئة بوضوح»، مشيراً إلى مقتل 457 جندياً بريطانياً خلال الحرب في أفغانستان.
من جهتها، اعتبرت إميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، أن تصريحات ترامب تمثل «إهانة مطلقة» للقوات الحليفة، مؤكدة أن المادة الخامسة من ميثاق الناتو فُعّلت مرة واحدة فقط في التاريخ، وذلك عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول على الولايات المتحدة.
كما انضم عدد من النواب البريطانيين من ذوي الخلفيات العسكرية إلى الانتقادات، معتبرين أن تصريحات ترامب تقلل من التضحيات التي قدمتها القوات الحليفة.
إعلان إطار خاص بغرينلاند
ورغم الجدل، أعلن ترامب ما وصفه بـ«اختراق دبلوماسي» عقب اجتماع عقده في دافوس مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته.
وقال ترامب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن الجانبين اتفقا على «إطار لاتفاق مستقبلي» بشأن غرينلاند والتعاون الأمني الأوسع في منطقة القطب الشمالي. وأضاف أنه، في إطار هذا التفاهم، سيعلق الرسوم الجمركية التي سبق أن هدد بفرضها بنسبة تتراوح بين 10% و15% على الحلفاء الأوروبيين، والتي كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير/شباط.
وكان ترامب قد طرح في السابق فكرة شراء غرينلاند بشكل مباشر، إلا أن مسؤولين مطلعين على المحادثات قالوا إن الإطار الجديد يركز على التنسيق الأمني في القطب الشمالي، وليس على الاستحواذ الإقليمي.
وبحسب هذه المصادر، تتركز المحادثات على منع روسيا والصين من إقامة موطئ قدم عسكري أو اقتصادي في المنطقة، وتشمل مناقشات أولية حول نظام دفاع صاروخي مقترح يعرف باسم «القبة الذهبية».
ولم يتم توقيع أي اتفاق رسمي حتى الآن، ومن المتوقع أن تستمر المفاوضات خلال الأسابيع المقبلة.
المادة الخامسة ومقترح الحدود
وتصاعد الجدل مجدداً في 23 يناير/كانون الثاني بعدما اقترح ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن الولايات المتحدة كان ينبغي أن «تختبر» الناتو من خلال تفعيل المادة الخامسة للمساعدة في تأمين الحدود الجنوبية الأميركية.
وقال ترامب إن قوات الناتو كان يمكن نشرها لمواجهة ما وصفه بـ«غزوات المهاجرين غير الشرعيين»، بما يسمح بإعادة توزيع عناصر حرس الحدود الأميركيين.
وسارع مسؤولون أوروبيون وخبراء في القانون الدولي إلى رفض الفكرة، مشيرين إلى أن المادة الخامسة تنطبق حصراً على الهجمات المسلحة الخارجية ضد الدول الأعضاء، ولا تشمل إنفاذ القانون الداخلي أو قضايا الهجرة.
إعادة تسليط الضوء على السجل العسكري
كما أعادت انتقادات ترامب لأداء الحلفاء العسكري تسليط الضوء على سجله العسكري الشخصي.
وأشار زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي البريطاني السير إد ديفي إلى أن ترامب حصل على خمسة إعفاءات خلال حرب فيتنام — أربعة لأسباب تعليمية وواحد لأسباب طبية تتعلق بما وصفه بـ«نتوءات عظمية» — وهي مسألة لطالما كانت موضع جدل سياسي.
ضحايا حرب أفغانستان
وتبرز الأرقام الرسمية لحرب أفغانستان التي قادها الناتو بين عامي 2001 و2021 حجم مشاركة الحلفاء:
الدولة | عدد القتلى
الولايات المتحدة | 2,461
المملكة المتحدة | 457
كندا | 158
فرنسا | 90
الدنمارك | 44 (الأعلى نسبة إلى عدد السكان)
آفاق مستقبلية
يشير تشكيك ترامب المتجدد في التزامات الناتو، إلى جانب الإعلان عن إطار أمني جديد في القطب الشمالي، إلى إعادة ضبط معقدة في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا.
وبينما يوحي ملف غرينلاند بإمكانية استمرار التعاون، أعادت تصريحات الرئيس فتح نقاشات حساسة بشأن الثقة داخل الحلف، وتقاسم الأعباء العسكرية، ومستقبل دور الناتو.
ويعمل قادة أوروبيون حالياً على الحصول على توضيحات إضافية بشأن إطار غرينلاند، بالتوازي مع مطالبة واشنطن بتقديم ضمانات حول التزامها طويل الأمد بالحلف.





