في قصر المؤتمرات بباماكو، حيث تُعلن عادةً الوعود الكبيرة، سُلّم مشروع الميثاق الوطني للسلم والمصالحة وكأنه وثيقة مقدسة، لكن الشعب المالي الطموح، الذي سمع خطابات مماثلة منذ 2012، يتساءل بحق: هل هذه المرة مختلفة؟
الميثاق بين الحبر والواقع…
الوثيقة الجديدة تقدم نفسها كحل سحري: 106 مادة تغطي كل شيء من نزع سلاح من الفصائل المسلحة، أي بمعنى أدق “البديل المحلي الذي وعد به غويتا لاتفاق الجزائر”، النص يقرأ كقصة جميلة عن مستقبل مزدهر، لكن المشكلة أن مالي تعيش في الحاضر، ففي الشمال/إقليم أزواد، لا تزال جماعات مسلحة جهادية وانفصالية تتحكم بأراض شاسعة، وفي الوسط، تستمر المذابح ذات الطابع العرقي (تارة بين الرعاة والمزارعين وتارة تحت مسميات أخرى أي بين الفولان و الدونصو)، وفي العاصمة، يحكم عسكر يخافه الشارع حيث يحاكم كل من يخالفهم الرأي.
الغائب الأكبر في المصالحة…
اللافت أن الذين صاغوا الميثاق هم نفس اللاعبين التقليديين: الحكومة الانتقالية، بعض زعماء القبائل، ونخبة من المجتمع المدني المقرب من السلطة، أما الذين يطلقون النار في الميدان – من الانفصاليين (جبهة تحرير أزواد) إلى الجماعات الجهادية و التجمعات السياسية المنحلة مؤخرا – فلم يُستشاروا ولم يتم اشراكهم على الرغم من المطالب الشعبية المتكررة في التفاوض معهم أثناء المؤتمرات المنظمة في أحضان القاعة نفسها على مرّ السنين. وكأنك تحاول إطفاء حريق بمناقشة شكل المبنى مع المهندسين بينما النيران تأكل الجدران.
تحديات الوقت…
التوقيت السياسي للمبادرة مثير للاهتمام فالنظام الحاكم، الذي وصل بانقلاب عسكري، يحاول الآن تقديم نفسه كضامن للسلام قبل أي انتخابات مقبلة. لكن الشارع يتذكر جيداً كيف تحولت وعود سابقة إلى حبر على ورق، هذا الميثاق قد يكون مجرد بطاقة دعوة للحصول على المزيد من الشرعية، خاصة مع تزايد الضغوط الأفريقية والدولية بعد تمديد حكم غويتا ورفاقه إلى ما لا نهاية.
في بلد يعاني من الفقر المدقع، حيث 45% من السكان تحت خط الفقر، يأتي الميثاق مليئاً بالوعود الاقتصادية البراقة، لكن المواطن البسيط في غاوا و تمبكتو أو موبتي يتساءل: من سيمول كل هذا؟ فالحكومة التي تعتمد على مساعدات شعبية و خارجية قد تجد نفسها عاجزة عن تنفيذ كل هذه الوعود التي وعدت بها في الأصل، لهؤلاء الذين لم يخالفوها يوما.
السؤال الذي ينتظر الإجابة
التجربة التاريخية تعلمنا أن وثائق السلام لا تنجح إلاّ بما يلي:
1) إشراك جميع الأطراف المتحاربة.
2) ضمانات تنفيذية واضحة.
3) آلية مراقبة محايدة.
4) إرادة مشتركة.
في مالي اليوم، لا نرى أيًا من هذه العناصر بشكل واضح، الميثاق الجديد قد يكون مجرد “مسكن آلام” مؤقت، بينما جذور الأزمة – من التهميش والاقصاء السياسي إلى الحرب الجاري، – تظل بدون علاج حقيقي، طالما أن اللاعبين الأساسيين غائبين عن المشهد.
الخاتمة الأكثر واقعية هي أن هذا الميثاق لم يكن الأول و لن يكون الأخير، فطالما ظلت الأسباب العميقة للصراع، ستستمر دورة العنف والوعود الجديدة.
شعوب المنطقة يستحقون أكثر من مجرد كلمات جميلة على ورق فاخر، إنهم يستحقون سلاماً يُبنى على أرض الواقع، لا في قاعات المؤتمرات المكيفة، سلاما يجعل هؤلاء الذين غادرو البلاد عنوة يعودون آمنين، سلاما يرعي حق الجار والصديق، سلاما يسكت قبل كل شيء أفواه البنادق.
بقلم حسين لنصاري صحفي متخصص في قضايا الساحل الافريقي





