في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل ألمانيا وخارجها، صوت البرلمان الألماني (البوندستاغ) يوم الجمعة 27 يونيو 2025 على قانون جديد يقضي بتعليق لم شمل عائلات الحاصلين على “الحماية الثانوية” لمدة عامين.
“الرؤى الأفريقية” تطرح تحليل لتفاصيل القرار المثير للجدل وأبعاده..
يأتي هذا الإجراء وسط تحول متسارع في مواقف الدول الأوروبية من قضايا الهجرة واللجوء، في وقت تتصاعد فيه أصوات اليمين وتضيق فيه المسارات القانونية أمام الفارّين من الحروب والاضطهاد.
فما الذي تغير في أوروبا؟ ولماذا أصبحت القارة التي اشتهرت بسياسات اللجوء الإنسانية تضع اليوم الحواجز واحدة تلو الأخرى؟
من استقبال الأزمات… إلى سياسات الحواجز

ألمانيا، التي فتحت أبوابها لأكثر من مليون لاجئ عام 2015 تبدو اليوم في مفترق طرق سياسي وإنساني.
القانون الجديد الذي صادقت عليه الحكومة الألمانية، يستهدف 388 ألف لاجئ يعيشون تحت بند “الحماية الثانوية”، وهم غالبا من السوريين الذين فروا من جحيم الحرب دون أن يحصلوا على صفة لاجئ كامل.
وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت دافع عن القرار قائلا “قدرة الاندماج وصلت إلى حدودها… نحتاج إلى نظام أكثر واقعية يضع حدودا للهجرة ويمنع استغلال الثغرات”.
وجاء القرار استجابة لضغوط من حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني، الذي حل ثانيا في انتخابات فبراير، وركز حملته على الحد من الهجرة و”استعادة السيطرة” على الحدود والسيادة.
من برلين إلى ستوكهولم… أوروبا تغيّر لهجتها

ألمانيا ليست وحدها في هذا الاتجاه. فدول أوروبية عدّة تشهد تحوّلات مشابهة.. السويد، التي كانت تضرب بها الأمثال في استقبال اللاجئين خفضت بشكل حاد حصص اللجوء منذ 2022، واعتمدت نظام إقامة مشروط يجدد كل ثلاث سنوات، مع تقييد كبير على لم الشمل.
والنمسا أوقفت كذلك لم الشمل للحاصلين على حماية مؤقتة، مبررة القرار بـ”الضغوط على سوق العمل والخدمات الاجتماعية”.
أما فرنسا وبلجيكا شرعتا في تعديل قوانين اللجوء لتسريع الترحيل وتضييق نطاق الحماية لمن تعتبرهم “مهاجرين اقتصاديين”.
لماذا هذا التحول المفاجئ؟
التحول لا يأتي من فراغ، فهناك ثلاثة دوافع رئيسية وراء هذا الانقلاب السياسي في أوروبا، أولهما صعود اليمين الشعبوي فالأحزاب المتطرفة تستغل مخاوف الشارع الأوروبي من “فقدان الهوية” و”تهديد الثقافة” لكسب الأصوات، ما يدفع الأحزاب التقليدية لتبني خطاب أكثر تشددا.
ثانيا، الضغوط الاقتصادية والخدميةمع تراجع النمو الاقتصادي وازدياد التضخم، أصبحت أنظمة الصحة والتعليم والإسكان في كثير من الدول عاجزة عن استيعاب أعداد جديدة من اللاجئين، وثالثا السياسة الأوروبية الموحدة، ففي أبريل 2024، صوت البرلمان الأوروبي على “العهد الجديد للهجرة واللجوء” الذي يعيد تنظيم توزيع اللاجئين ويعطي الأولوية لتسريع الترحيل والتشديد على الحماية الثانوية.
وهذا الاتفاق سيطبق رسميا عام 2026، لكن كثيرا من الدول بدأت بالفعل في تبني بعض بنوده.
إنسانيا.. آلاف العائلات الممزقة
النتيجة المباشرة لهذه السياسات هي واقع مأساوي يعيشه آلاف اللاجئين..
أسر مفككة، أطفال بلا آباء، وزوجات ينتظرن سنوات في المخيمات أو مناطق الحرب، ففي ألمانيا وحدها، ينتظر أكثر من 12,000 شخص اليوم لم الشمل، لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة أمام حائط قانوني جديد.
وفي غياب آلية استئناف سريعة أو تعويض إنساني، يبدو أن الاندماج سيتحول إلى معركة يومية لأشخاص فروا أصلا من معركة أكبر.
هل من مخرج؟ أم أن أوروبا أغلقت الباب بالفعل؟
يقول محللون إن أوروبا لا تغلق الباب تماما، لكنها تغيّر المفتاح، فالقبول اليوم بات مشروطا بالانتماء السياسي الصحيح، أو القدرات المهنية المطلوبة، أو المرور عبر مسارات قانونية شديدة الصعوبة.
ومع غياب التضامن الأوروبي الحقيقي وتزايد الأصوات الشعبوية فإن الطريق أمام اللاجئين إلى أوروبا بات أطول وأصعب وربما… أكثر قسوة من أي وقت مضى.






