رغم مساحتها الصغيرة تظل جزيرة قبرص واحدة من أكثر النقاط توترا في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث تتقاطع فيها حسابات التاريخ والجغرافيا والسياسة.
وهي جزيرة منقسمة سياسيا وعسكريا منذ عقود وتمثل ملفا معقدا بين تركيا واليونان، بل وبين الشرق والغرب.
الخلفية التاريخية للصراع
تقع قبرص في قلب المتوسط وتاريخها حافل بتنازع القوى بعد قرون من السيطرة البيزنطية والعثمانية، وضعت الجزيرة تحت إدارة بريطانية عام 1878، ثم ضمت رسميا إلى التاج البريطاني عام 1925.
ومع تصاعد النزعة القومية لدى السكان القبارصة اليونانيين بدأت مطالبات بضم الجزيرة إلى اليونان حركة “الإينوسيس”، وهو ما أثار مخاوف القبارصة الأتراك وتركيا من تهميش وجودهم وهويتهم.
وفي عام 1960، نالت قبرص استقلالها رسميا عن بريطانيا بموجب اتفاق دولي بين تركيا واليونان وبريطانيا.
لكن الدولة الجديدة سرعان ما دخلت في أزمة سياسية طائفية بين القبارصة اليونانيين والأتراك، تطورت إلى أعمال عنف واشتباكات مسلحة.
بلغ التوتر ذروته عام 1974، حين وقع انقلاب مدعوم من المجلس العسكري الحاكم في أثينا بهدف ضم الجزيرة إلى اليونان، فقامت تركيا بتدخل عسكري سريع وسيطرت على الثلث الشمالي من الجزيرة بحجة حماية القبارصة الأتراك.
ومنذ ذلك الحين، انقسمت الجزيرة إلى شطرين، جنوبي تديره جمهورية قبرص المعترف بها دوليا، وشمالي تطلق عليه تركيا “جمهورية شمال قبرص التركية”، غير المعترف بها دوليا.
قبرص اليوم وواقع منقسم
اليوم، تعتبر قبرص دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2004، ولكن سيادتها الفعلية تنحصر في الشطر الجنوبي.
أما الشطر الشمالي فيدار من قبل حكومة مدعومة من أنقرة، وتنتشر فيه القوات التركية التي تقدر بعشرات الآلاف من الجنود.
فالانقسام لم يعد مجرد مسألة داخلية، بل أصبح جزءا من نزاع إقليمي أوسع يتداخل فيه الأمن، والطاقة والهوية والتحالفات الدولية.
أهمية قبرص لتركيا
من ناحية استراتيجية عسكرية، فالوجود التركي في شمال قبرص يُعد قاعدة متقدمة في شرق المتوسط، ويوفر لأنقرة نقطة مراقبة وتحكم في المعابر البحرية وخطوط الطاقة المحتملة.
وقومية وحماية الأقلية التركية، فتركيا تعتبر القبارصة الأتراك امتدادا قوميًا لها، وترى في وجودها العسكري “ضمانة” لحمايتهم من التهميش أو التهديد.
كذلك الطاقة والنفوذ البحري، فموقع قبرص قرب حقول الغاز في شرق المتوسط يجعلها ذات أهمية قصوى لتركيا في صراع النفوذ على موارد الطاقة.
أهمية قبرص لليونان
من ناحية امتداد قومي وثقافي، فالغالبية الساحقة من سكان جنوب قبرص هم من القبارصة اليونانيين، واللغة الرسمية هي اليونانية، وتاريخيا، كان مشروع “الإينوسيس” هدفا قوميا لليونان.
والتحالف داخل الاتحاد الأوروبي، قبرص تعد حليفا لليونان داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، خصوصا في القضايا المتعلقة بتركيا وشرق المتوسط.
والمياه الاقتصادية، فقبرص تمثل نقطة ارتكاز لمطالب اليونان بمياه اقتصادية موسعة في البحر المتوسط، خاصة فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز.
ولكن يبقى السؤال هل من أفق للحل؟
شهدت قبرص جولات عديدة من المفاوضات منذ عام 1974، برعاية الأمم المتحدة، كان أبرزها خطة “أنان” عام 2004، والتي رفضها القبارصة اليونانيون رغم قبول الأتراك لها.
ومع تصاعد التوتر في شرق المتوسط مؤخرا، بات الحل أكثر تعقيدا، خصوصا مع اكتشافات الغاز، والانخراط العسكري المتزايد في المنطقة.
فقبرص ليست مجرد جزيرة صغيرة، بل هي مرآة لصراعات كبيرة قومية تاريخية وجيوسياسية.
وبينما يواصل الجنوب بناء دولته ضمن المنظومة الأوروبية، يظل الشمال رهينة لمعادلات إقليمية معقدة، وحسابات لا يبدو أنها ستحسم قريبا، إنها جزيرة منقسمة بين ذاكرتين، ومستقبلين… وأجندتين يصعب التوفيق بينهما.





