في مشهد يحمل في طياته دلالات سياسية معقدة، ظهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في المكتب البيضاوي ليعيد فتح جراح قديمة بين بلاده وجنوب إفريقيا، متهما حكومة الرئيس سيريل رامافوزا بارتكاب ما وصفه بـ”الإبادة الجماعية ضد البيض”.
لم يكن هذا التصريح معزولا عن السياق، فقد أرفقه ترامب بمقطع مصور يظهر جماعة سوداء متطرفة تتحدث عن قضية استعادة ملكية الأراضي، وهي واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ جنوب إفريقيا بعد نظام الفصل العنصري.
رد رامافوزا جاء سريعا وواضحا، إذ أكد أن حكومته ترفض تماما هذه الاتهامات، وأنها ملتزمة بدستور يضمن العدالة والمساواة بين كل المواطنين، سوداء وبيضاء.
لكن خلف هذا التبادل الحاد، تلوح في الأفق أسئلة أكبر هل ما جرى مجرد استعراض انتخابي جديد من ترامب؟ أم أن الأمر أكبر من ذلك بكثير؟
جنوب إفريقيا في مرمى نيران واشنطن
منذ أن رفعت جنوب إفريقيا دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في غزة، بدأت مواقف متصلبة تتبلور ضد بريتوريا، ليس فقط من إسرائيل، بل أيضا من الولايات المتحدة وبعض دوائر النفوذ القوية في واشنطن.
ففي بلد تتحكم فيه لوبيات ضغط ذات تأثير واسع على القرار السياسي، فإن تجرؤ دولة إفريقية على اتهام حليف استراتيجي كإسرائيل أمام المحاكم الدولية يُعد “تمردًا” يجب كبحه.
ووسط هذا السياق، يبرز التساؤل المشروع: هل للهجوم السياسي الذي شنّه ترامب دوافع تتعلق بدعم غير مباشر للوبي اليهودي في أمريكا، الذي رأى في دعوى بريتوريا تهديدا للمصالح الإسرائيلية؟
إيلون ماسك… العصا الغليظة في الظل
وما يزيد من تعقيد المشهد هو وجود رجل الأعمال الشهير إيلون ماسك، صاحب الأصول الجنوب إفريقية، في دائرة المقربين من ترامب، بل ومن أبرز داعمي عودته للبيت الأبيض.
ماسك، الذي لم يخف في أكثر من مناسبة استياءه من السياسات الحكومية في بلده الأم، خصوصا فيما يتعلق بإعادة توزيع الأراضي، كان قد لمح سابقا إلى وجود “تمييز مقلوب” ضد البيض في جنوب إفريقيا.
فهل يكون ماسك هو من حرك خيوط هذا التصعيد في الكواليس؟ هل تحدث إلى ترامب عن “اضطهاد البيض” كما يراه من منظوره؟ وهل استخدم نفوذه الإعلامي والمالي لتعزيز خطاب يُشيطن حكومة رامافوزا أمام الرأي العام الأمريكي والدولي؟
الخوف من نموذج جنوب إفريقي جديد
ما يقلق بعض دوائر القرار في الغرب، ليس فقط أن جنوب إفريقيا تتحدى إسرائيل قانونيا، بل أيضا أنها تقدم نموذجا ديمقراطيا إفريقيا بدأ يكتسب جرأة سياسية غير معهودة، ويطمح للعب دور في إعادة تشكيل النظام العالمي من خارج عباءة واشنطن.
وهذا ما بدا واضحا في مواقفها ضمن مجموعة “بريكس”، وفي تحالفاتها الاقتصادية والسياسية مع روسيا والصين.
ومن هنا، فإن أي تقويض لشرعية حكومة رامافوزا – حتى عبر اتهامات باطلة – قد يفسر كخطوة تهدف لعرقلة هذا الطموح الجنوب إفريقي المتصاعد.
العدالة في زمن المصالح
في نهاية المطاف، تبقى قضية “الإبادة الجماعية ضد البيض” التي طرحها ترامب، بحسب أغلب المراقبين، اتهاما سياسيا فارغا من المضمون القانوني، يفتقر إلى أي إثبات أو دعم حقوقي حقيقي.
لكنها اتهامات تستخدم كسلاح انتخابي في الداخل الأمريكي، ولخدمة أجندات أبعد في الخارج، حيث تتقاطع المصالح بين رجال أعمال، ولوبيات ضغط، وساسة متعطشين للعودة إلى الحكم.
ووسط كل هذه الحسابات، تبقى الحقيقة الأهم، فإن جنوب إفريقيا تواجه حملة دولية لا تعلن عن نفسها بصراحة، لكنها تستهدف النيل من استقلال قرارها، لأنها قررت ببساطة أن ترفع صوتها في محكمة العدل، حين صمت الجميع.





