Connect with us

Hi, what are you looking for?

إفريقيا

«مينورسو» ترحل بعد 35 عامًا… ونزاع الصحراء يدخل مرحلة أقل انضباطًا

انتهاء البعثة الأممية يكرّس موت الاستفتاء عمليًا ويمنح الرباط فرصة سياسية، لكنه لا يغلق الملف قانونيًا ولا يصنع تسوية

عند منتصف ليل 31 أكتوبر 2026، طُويت صفحة «بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية» (مينورسو). وفي الأول من نوفمبر، بعد ساعات فقط، بدأ سحب أفرادها ومعداتها تمهيدًا لتصفية وجودها في الإقليم. لم يكن ذلك قرارًا متعمدًا بإنهاء البعثة بقدر ما كان حصيلة عجز مجلس الأمن عن تجديد ولايتها، تحت وطأة خلاف أمريكي روسي.

كيف سقطت البعثة؟

أُنشئت «مينورسو» عام 1991 بموجب مخطط التسوية، بمهمتين: مراقبة وقف إطلاق النار، وتنظيم استفتاء لتقرير المصير يخيّر السكان بين الاستقلال والاندماج مع المغرب. لكن الاستفتاء لم يُجرَ قط بسبب الخلاف على من يحق له التصويت، فيما جُدّدت ولاية البعثة نحو 47 مرة على أمل الوصول إلى اتفاق.

في 30 أكتوبر 2026، طرحت الولايات المتحدة مشروع قرار حصد 11 صوتًا، غير أن الفيتو الروسي أسقطه. كان المشروع يقترح تمديدًا لعام واحد، لكنه حمل تغييرات جوهرية: تعديل اسم البعثة إلى «مينوسو» بحذف كلمة «الاستفتاء»، واعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا للحل، وإعادة هيكلة البعثة وتقليصها. وهذه التعديلات تحديدًا هي ما استدعى الفيتو الروسي. وفي المقابل، لم يحصل مشروع روسي لتمديد تقني بسيط إلا على ثلاثة أصوات، فسقط بدوره.

وسارع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى التأكيد أن مغادرة البعثة لا تلغي الحق غير القابل للتصرف في تقرير المصير، وأن المنظمة مستعدة لمواصلة دعم الحوار عبر مبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا، محذرًا من خطر التصعيد وداعيًا إلى أقصى درجات ضبط النفس.

ماذا يعني غياب «مينورسو»؟

أول ما يعنيه القرار نهاية الوجود العسكري الأممي الميداني الذي راقب وقف إطلاق النار طوال 35 عامًا، مع استمرار بعض الأعمال غير المكتملة مثل إزالة الألغام. وبذلك تتآكل صيغة إدارة النزاع التي ولدت مع تسوية 1991؛ فالبعثة كانت تجسّد مسارًا دوليًا مؤجلًا، وتؤدي في الوقت نفسه وظيفة ميدانية للمراقبة. وبغيابها تتراجع القدرة على إبقاء الانتظار السياسي محاطًا بضوابط أمنية.

ومع ضعف المؤسسة المشتركة، يزداد وزن ما هو قائم على الأرض: السيطرة الفعلية، والقدرة العسكرية، والاعترافات والمساندات الدبلوماسية. وهذا يرجّح كفة المغرب نسبيًا، لكنه قد يدفع خصومه إلى رفع كلفة تكريس الأمر الواقع.

كما يتراجع الإطار الرسمي المرتبط بالاستفتاء. فالمقترح الأمريكي كان يهدف أساسًا إلى «تحديث وتجديد» البعثة بعيدًا عن الاستفتاء، نحو حل سياسي يقوم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو مسار سبق أن دعمه قرار مجلس الأمن 2797 عام 2025، حين عدّ الحكم الذاتي «الحل الأكثر قابلية للتطبيق».

والأخطر أن القرار يوسّع الفجوة بين بقاء القضية قائمة قانونيًا وتراجع أدوات معالجتها عمليًا؛ إذ قد يظل الحق موضع تأكيد دولي، بينما تتضاءل الآليات القادرة على تحويله إلى إجراء مقبول. وفجوة كهذه قد تنتج إحباطًا وتصعيدًا بدل التسوية.

ومع ذلك، لا يعني ما جرى نهاية الدور الأممي، بل ضعفه وتآكل مصداقيته وتراجع منسوب الأمل فيه. فالمبعوث الشخصي باقٍ والجهود السياسية مستمرة كما أوضح غوتيريش، وإن كان المغرب يرى في الأمر «فرصة لإخراج الملف من أجندة مجلس الأمن».

هل مات الاستفتاء؟

السؤال مركزي، لأنه محور العملية كلها. الاستفتاء بصيغته الأصلية، أي الاختيار بين الاستقلال والاندماج، صار تنفيذه أصعب بعد زوال المؤسسة التي أُنشئت للتحضير له. والحقيقة أنه ميّت عمليًا منذ سنوات، بسبب استحالة الاتفاق على قوائم الناخبين، وانتهاء البعثة التي تحمل اسمه يكرّس هذه الحقيقة ولا يضيف إليها جديدًا.

لكن لا يصح الاستنتاج بأن حق تقرير المصير سقط بسقوط الأداة، وهو ما شدد عليه الأمين العام. ويبقى ممكنًا مستقبلًا عرض تسوية تفاوضية على السكان، بما في ذلك اتفاق حكم ذاتي، وهو احتمال يختلف عن الاستفتاء الأصلي، وتظل فيه أسئلة الخيارات المطروحة والناخبين والضمانات وحرية القبول والرفض حاسمة.

ثم إن التحول نحو الحكم الذاتي سبق الانسحاب. فالقرار 2797 جعل المقترح المغربي أساسًا للمفاوضات، وعدّ الحكم الذاتي الحقيقي مآلًا أكثر قابلية للتحقق، مع إبقاء شرط الحل المقبول من الأطراف وتقرير المصير. إنه ترجيح سياسي واضح، لكنه ليس اتفاقًا نهائيًا على السيادة ولا على كيفية التعبير عن إرادة السكان. والخلاصة أن الاستفتاء الأصلي بات أشد تعثرًا وأضعف مؤسسيًا، أما إلغاؤه نهائيًا أو حصر تقرير المصير في الحكم الذاتي، فليسا نتيجة تلقائية للانسحاب.

الرباط: مكسب دبلوماسي بلا تسوية مضمونة

رحّب المغرب بقوة بما جرى. ووصف الديوان الملكي، في بيان صدر مباشرة بعد التصويت، الأمر بأنه «تطور هام وخطوة ذات دلالة نحو الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة». وطلبت الرباط سحب الأفراد والمركبات والمعدات والرموز في الأيام التالية، وطي صفحة 35 عامًا من الحضور الأممي، مع تأكيد التزامها بوقف إطلاق النار، معتبرة أن العملية السياسية الأممية «معلّقة» بسبب مماطلة الأطراف الأخرى، ومستندة إلى دعم أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بينهم دول دائمة العضوية، للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

يبدو القرار في صالح المغرب أكثر من غيره: فهو يزيل أداة تدويل الملف التي جسّدتها البعثة والنقاشات الدورية في مجلس الأمن، ويعزز الوضع القائم المتمثل في سيطرة مغربية على معظم الإقليم، وينهي عمليًا الضغط الأممي الميداني. ويمكن فهم الترحيب الرسمي على أنه سعي لتحويل نهاية البعثة إلى نهاية مرحلة كانت فيها السيادة نفسها معلّقة على مسار أممي.

غير أن ثمة نقطة يصعب على الرباط تجاوزها: القرار لا يغلق الملف قانونيًا بالكامل، إذ تُبقي الأمم المتحدة، كما أوضح غوتيريش، على تصنيف الإقليم «إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي»، وتؤكد تبعًا لذلك استمرار حق تقرير المصير. ثم إن النجاح في إزالة مؤسسة لا يساوي النجاح في بناء شرعية لتسوية يقبلها الطرف المقابل، وهو ما كان المشروع الأمريكي يسعى إليه. وقد يكسب المغرب دبلوماسيًا، ثم يخسر جزءًا من هذا المكسب إذا ترتب عنه اضطراب أمني طويل.

البوليساريو والجزائر: خسارة إطار لا قدرة على الاعتراض

أعربت جبهة البوليساريو، في بيانات متتالية، عن قلقها من الجمود، ووصفت هذه النهاية بأنها «غير مقبولة»، محمّلة المغرب مسؤولية أي عواقب على السلم والأمن. وكانت الجبهة قد هددت بالانسحاب من العملية السياسية إذا مرّ المشروع الأمريكي دون تعديلات جوهرية، مؤكدة تمسكها بحق تقرير المصير والاستقلال بكل الوسائل المشروعة.

وخسارتها تتجاوز الرمزية: فإقناع جمهورها بأن الانتظار داخل الإطار السابق سيقود إلى الاستفتاء يزداد صعوبة. وقد تلجأ إلى الضغط عبر التصعيد، لكن انتهاء البعثة لا يمنحها تلقائيًا قدرة عسكرية جديدة، ولا يجعل التصعيد طريقًا مضمونًا لتحسين موقعها.

أما الجزائر فعبّرت عن «بالغ الأسف»، وحمّلت المسؤولية لـ«الانحياز المفرط» في المشروع الأمريكي لصالح المغرب على حساب البوليساريو، وجددت التزامها بحل سياسي عادل يضمن تقرير المصير. وقد وضع هذا التطور استراتيجيتها أمام اختبار: كيف تحافظ على القضية وعلى موقعها الإقليمي بعد ضعف إحدى أدوات إدارتها؟ ويبقى الانتقال من الاعتراض الدبلوماسي إلى تغيير السياسة أمرًا يحتاج إلى متابعة.

يفقد الطرفان آلية المراقبة الدولية والمرجعية الرسمية للاستفتاء، ويضعف موقفهما التفاوضي، ويخشيان «شرعنة» الوضع القائم وانتقاله من شرعية الأمر الواقع إلى وضع مقبول دوليًا. لقد خسرا إطارًا مؤسسيًا، لكنهما لم يفقدا القدرة على الاعتراض.

ثلاثة مسارات محتملة

يمكن تمييز ثلاثة مسارات للمرحلة المقبلة:

  • تفاوض جديد حول الحكم الذاتي، ينتقل فيه النقاش إلى الصلاحيات والضمانات والتمثيل والموارد وعودة اللاجئين وطريقة إقرار الاتفاق. وقد يفضي إلى تسوية إذا توافر قبول فعلي وضمانات قابلة للتنفيذ.
  • استمرار الأمر الواقع مع رقابة دولية أضعف: لا اتفاق ولا حرب شاملة، بل سيطرة قائمة واحتكاكات وتنافس دبلوماسي. وهذا قد يخدم المغرب تدريجيًا، لكنه يُبقي النزاع مفتوحًا وقابلًا للاشتعال.
  • تصعيد يفرض العودة إلى ترتيب دولي: إذا ارتفعت كلفة الفراغ، ستعود الحاجة إلى مراقبين أو آلية اتصال أو بعثة مختلفة، فتعثّر المؤسسة الحالية لا يلغي الحاجة إلى وظائفها.

نظريًا، قد يدفع انتهاء الترتيب القديم الأطراف إلى تفاوض جاد، لأن كلفة الجمود ستصبح أعلى، وسيتطلب ذلك بديلًا واضحًا يضمن مرجعية تفاوضية وضمانات أمنية وآلية للتعبير عن إرادة السكان وترتيبات للتنفيذ. لكن رحيل البعثة قبل الاتفاق على هذه العناصر يضعف شروط التسوية: تتراجع المراقبة والاتصالات الميدانية، وتزداد احتمالات تضارب الروايات حول الحوادث، وقد يغري ذلك كل طرف باختبار حدود الآخر.

المفارقة

كانت البعثة متهمة بتكريس الجمود، لكن زوالها قد يزيل أيضًا بعض ما كان يمنع تحوّل الجمود إلى مواجهة أوسع. فإنهاء إدارة النزاع لا يعني إنهاء النزاع. ورغم تأكيد المغرب التزامه بوقف إطلاق النار، تظل ملامح الوضع الجديد غير واضحة، وقد يقود إلى تجميد أطول أو إلى تسريع مسار سياسي خارج مجلس الأمن، مع استمرار التوترات المنخفضة الحدة القائمة منذ 2020.

في المحصلة، يجسد سقوط «مينورسو» الصراع الأمريكي الروسي أكثر مما يعكس قرارًا مقصودًا. وقد حرم المغرب من قرار كان يكرّس خياره، لكنه يخدمه سياسيًا، ويضع حدًا عمليًا لإطار الاستفتاء الأصلي، دون أن ينهي النزاع أو الدور الأممي السياسي. وأخطر ما في المرحلة أن يتراجع الوعد القديم بالاستفتاء قبل أن يولد اتفاق مشروع وقابل للتنفيذ يحل محله؛ عندها لا ننتقل إلى السلام، بل من جمود تضبطه مؤسسة إلى نزاع تقل ضوابطه. وستتحدد التبعات بكيفية إدارة الانسحاب المنظم، وسلوك الأطراف، واستمرار جهود المبعوث الشخصي دي ميستورا.

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like

الشرق الأوسط

لا يزال الحديث عن جماعة “الأحباش” الدينية في الأردن وتمددها وصعودها يثير العديد من التساؤلات عن حقيقة تلك الجماعة بين الفينة والأخرى، فمن هي...

غرب إفريقيا والساحل

كشفت جماعة نصرة الإسلام و المسلمين في مالي مقتل 70 مسلحا ممن وصفتهم بالخوارح، في إشارة إلى ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وذلك...

Uncategorized

مازالت ليبيا تعاني من حالة عدم استقرار سياسي وأمني مزمنة، في ظل تنافس واضح بين حكومات متنازعة وميليشيات مسلحة تدعمها قوى إقليمية ودولية مختلفة....

إفريقيا

أكد والي ولاية كيدال عن تنظيم جماعة نصرة الاسلام و المسلمين، سيدن أغ هيتا، المعروف حركيا باسم عثمان القيرواني، أن من أهم الأسباب التي...