Connect with us

Hi, what are you looking for?

غرب إفريقيا والساحل

موريتانيا في مواجهة زحف الصحراء: تحديات المناخ والتصحر تهدد الأمن الغذائي والتنمية

تسلط تصريحات وزيرة البيئة والتنمية المستدامة مسعودة بنت بحام ولد محمد لغظف الضوء على واحدة من أكبر التحديات الاستراتيجية التي تواجه موريتانيا، في وقت تتزايد فيه الضغوط المناخية والبيئية على دول الساحل الأفريقي بشكل غير مسبوق.

فالتصحر الذي يمس أكثر من 84% من مساحة البلاد لا يمثل مجرد قضية بيئية، بل تحول إلى ملف يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي وإدارة الموارد الطبيعية ومستقبل التنمية في الدولة الصحراوية الواقعة على تخوم الساحل والمحيط الأطلسي.

بلد صحراوي في خط المواجهة الأول

تعد موريتانيا من أكثر دول العالم تعرضاً لظاهرة التصحر بحكم موقعها الجغرافي، إذ تغطي الصحراء الكبرى معظم أراضيها الممتدة على أكثر من مليون كيلومتر مربع.

وخلال العقود الأخيرة، ساهم تراجع معدلات الأمطار وتكرار موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة في تسارع تدهور الأراضي الزراعية والمراعي الطبيعية، خاصة في المناطق الجنوبية والشرقية التي يعتمد عليها ملايين السكان في الزراعة التقليدية وتربية الماشية.

ويرى خبراء المناخ أن موريتانيا تقع ضمن ما يعرف بـ”حزام الهشاشة المناخية” في منطقة الساحل، وهي منطقة تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل أسرع من المتوسط العالمي، ما يجعلها أكثر عرضة للجفاف والتصحر والعواصف الرملية.

الأمن الغذائي تحت الضغط

لا تقتصر آثار التصحر على البيئة وحدها، بل تمتد مباشرة إلى الأمن الغذائي.

فمع تراجع الغطاء النباتي وانكماش المراعي وتدهور التربة الزراعية، تتعرض الثروة الحيوانية، التي تمثل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، لضغوط متزايدة.

وتشير تقديرات دولية إلى أن أكثر من نصف السكان في موريتانيا يعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على الأنشطة الرعوية والزراعية، ما يجعل أي تدهور بيئي واسع النطاق عاملاً مؤثراً في مستويات الفقر والهجرة الداخلية والنزوح الموسمي.

كما يؤدي تراجع الإنتاج الزراعي المحلي إلى زيادة الاعتماد على الواردات الغذائية، الأمر الذي يضاعف هشاشة البلاد أمام تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع أسعار الغذاء.

الساحل الأطلسي في دائرة الخطر

إلى جانب التصحر، تواجه موريتانيا تحدياً بيئياً آخر يتمثل في هشاشة شريطها الساحلي الممتد على نحو 750 كيلومتراً على المحيط الأطلسي.

وتحذر تقارير بيئية من أن ارتفاع مستوى سطح البحر وتآكل السواحل يهددان مناطق سكنية واقتصادية حيوية، خصوصاً في العاصمة نواكشوط التي يقع جزء كبير منها تحت مستوى سطح البحر أو قريباً منه.

كما تشكل التغيرات المناخية خطراً على النظم البيئية البحرية التي تعتمد عليها البلاد في قطاع الصيد البحري، أحد أهم مصادر الدخل القومي والعملات الأجنبية.

وتعتبر المياه الإقليمية الموريتانية من أغنى مناطق الصيد في أفريقيا، لكن الضغوط البيئية والصيد الجائر والتغيرات المناخية تفرض تحديات متزايدة أمام استدامة هذا المورد الحيوي.

التنوع البيولوجي بين التهديد والحماية

تمتلك موريتانيا ثروة بيئية فريدة تشمل محميات ومناطق رطبة ذات أهمية عالمية، أبرزها منتزه حوض آرغين الوطني المصنف ضمن قائمة التراث العالمي.

ويؤوي المنتزه ملايين الطيور المهاجرة وأنواعاً نادرة من الكائنات البحرية، ما يجعله أحد أهم المواقع البيئية في غرب أفريقيا.

غير أن الضغوط المناخية والتوسع البشري والاستغلال غير المنظم للموارد الطبيعية تهدد هذا التنوع البيولوجي الذي يمثل رصيداً استراتيجياً للبلاد.

الرهان على الاقتصاد الأخضر

في مواجهة هذه التحديات، تسعى الحكومة الموريتانية إلى تعزيز برامج التكيف المناخي ومكافحة التصحر واستصلاح الأراضي المتدهورة.

كما تراهن السلطات على تنمية قطاعات مرتبطة بالاقتصاد الأخضر، بما يشمل الطاقة المتجددة وإدارة الموارد الطبيعية والمشاريع البيئية القادرة على خلق فرص عمل جديدة.

وتحظى موريتانيا باهتمام متزايد من المؤسسات الدولية بفضل إمكاناتها الكبيرة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى المشاريع المرتبطة بالهيدروجين الأخضر التي يمكن أن تجعل البلاد لاعباً مهماً في التحول الطاقوي العالمي خلال العقود المقبلة.

تحدٍ يتجاوز البيئة

يرى مراقبون أن التحدي البيئي في موريتانيا لم يعد ملفاً قطاعياً يخص وزارة البيئة وحدها، بل أصبح قضية ترتبط بالأمن القومي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

فالتصحر والجفاف وتراجع الموارد الطبيعية باتت عوامل تؤثر في أنماط المعيشة والهجرة الداخلية ومستويات الفقر، كما تفرض أعباء إضافية على الدولة في مجالات الغذاء والمياه والصحة.

ومع استمرار التغيرات المناخية العالمية، تبدو موريتانيا أمام سباق مع الزمن لتعزيز قدرتها على التكيف وحماية مواردها الطبيعية، في وقت تتزايد فيه التوقعات بأن تصبح منطقة الساحل واحدة من أكثر مناطق العالم تأثراً بالتقلبات المناخية خلال العقود القادمة.

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like

الشرق الأوسط

لا يزال الحديث عن جماعة “الأحباش” الدينية في الأردن وتمددها وصعودها يثير العديد من التساؤلات عن حقيقة تلك الجماعة بين الفينة والأخرى، فمن هي...

غرب إفريقيا والساحل

كشفت جماعة نصرة الإسلام و المسلمين في مالي مقتل 70 مسلحا ممن وصفتهم بالخوارح، في إشارة إلى ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وذلك...

Uncategorized

مازالت ليبيا تعاني من حالة عدم استقرار سياسي وأمني مزمنة، في ظل تنافس واضح بين حكومات متنازعة وميليشيات مسلحة تدعمها قوى إقليمية ودولية مختلفة....

إفريقيا

أكد والي ولاية كيدال عن تنظيم جماعة نصرة الاسلام و المسلمين، سيدن أغ هيتا، المعروف حركيا باسم عثمان القيرواني، أن من أهم الأسباب التي...