أعلنت السلطات المالية تخصيص مكافآت مالية كبيرة لمن يقدم معلومات تساعد على تحديد مكان عدد من أبرز قادة الجماعات المسلحة والتنظيمات الجهادية الناشطة في البلاد، في خطوة تعكس انتقال المواجهة بين باماكو وخصومها في الشمال والوسط إلى مرحلة جديدة من الحرب الأمنية والاستخباراتية.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام دولية ومحلية عن بيان لوزارة الأمن والحماية المدنية في مالي، فقد بلغ إجمالي المكافآت المعلنة نحو 7.5 مليارات فرنك أفريقي، موزعة على سبعة من أبرز المطلوبين لدى السلطات المالية، بينهم زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إياد أغ غالي، وقائد جبهة تحرير ماسينا أمادو كوفا، إلى جانب شخصيات بارزة من الحركات الأزوادية والتنظيمات المسلحة.
وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من هجمات واسعة ومنسقة شهدتها مالي في 25 أبريل الماضي، واستهدفت مواقع عسكرية وأمنية في عدة مناطق، في تطور رأت فيه باماكو مؤشراً على تصاعد قدرة خصومها على تنسيق العمليات وفتح جبهات متعددة في وقت واحد.
قائمة مكافآت غير مسبوقة
حددت السلطات المالية ملياري فرنك أفريقي لمن يقدم معلومات تؤدي إلى تحديد مكان إياد أغ غالي، زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وهو ما يعادل نحو 3.3 إلى 3.5 ملايين دولار. كما خصصت 1.5 مليار فرنك أفريقي لمعلومات تقود إلى أمادو كوفا، قائد جبهة تحرير ماسينا وأحد أبرز الوجوه الجهادية في وسط مالي.
وتضمنت القائمة أسماء أخرى من قادة الحركات المسلحة والتنظيمات الناشطة في شمال ووسط البلاد، بينها شخصيات من الحركات الأزوادية وقيادات مرتبطة بشبكات مسلحة عابرة للحدود، مع مكافآت تراوحت بين 500 مليون ومليار فرنك أفريقي للشخص الواحد.
ويعد الإعلان من أكثر الخطوات وضوحاً التي تتخذها باماكو في استخدام المال كأداة ميدانية واستخباراتية لملاحقة خصومها، ومحاولة اختراق شبكاتهم المحلية والاجتماعية.
من المواجهة العسكرية إلى الحرب الاستخباراتية
لا يمكن قراءة القرار المالي بمعزل عن السياق العسكري الأوسع. فقد شهدت البلاد خلال الأشهر الأخيرة تصعيداً لافتاً في المواجهات بين الجيش المالي وحلفائه من جهة، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين والحركات الأزوادية المسلحة من جهة أخرى.
وتشير تطورات ما بعد معارك تينزاواتين والهجمات المنسقة اللاحقة إلى أن الصراع لم يعد محصوراً في مناطق الأطراف الشمالية، بل بات يمتد نحو الوسط ومحيط مراكز السلطة والنفوذ في البلاد.
وفي هذا السياق، تبدو المكافآت المالية محاولة من السلطات لفتح جبهة جديدة داخل البيئة الاجتماعية التي تتحرك فيها الجماعات المسلحة، عبر تشجيع الانشقاقات وتوفير معلومات ميدانية قد تعجز الوسائل العسكرية التقليدية عن الحصول عليها.
لكن نجاح هذه المقاربة يظل مرتبطاً بقدرة الدولة على حماية من يقدمون المعلومات، وبمدى استعداد المجتمعات المحلية للتعاون مع السلطات في مناطق تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وخوف من انتقام الجماعات المسلحة.
استنساخ محلي لنموذج دولي
لا يمثل أسلوب المكافآت المالية اختراعاً مالياً جديداً، فقد استخدمته الولايات المتحدة منذ سنوات عبر برنامج “المكافآت من أجل العدالة”، ورصدت مكافآت كبيرة للحصول على معلومات عن قادة تنظيم القاعدة وفروعه في الساحل، بينهم إياد أغ غالي.
غير أن الجديد في الخطوة المالية هو أنها تأتي هذه المرة من داخل الدولة المعنية مباشرة، وبقائمة محددة الأسماء والمبالغ، ما يمنحها بعداً سياسياً وأمنياً مختلفاً.
فباماكو لا تسعى فقط إلى ملاحقة قيادات مصنفة إرهابية، بل تريد أيضاً إرسال رسالة إلى الداخل والخارج بأنها انتقلت من مرحلة الدفاع العسكري إلى مرحلة المبادرة الاستخباراتية.
وتتزامن هذه الخطوة مع ضغوط دولية قائمة، من بينها مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق إياد أغ غالي، التي تتهمه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في شمال مالي، خصوصاً في تمبكتو خلال عام 2012. وقد أعلنت المحكمة الجنائية الدولية في يونيو 2024 رفع السرية عن مذكرة التوقيف بحقه.
دلالات سياسية أوسع
يحمل الإعلان بعداً سياسياً لا يقل أهمية عن بعده الأمني. فالسلطات المالية، التي أنهت العمل باتفاق الجزائر للسلام، تواجه اليوم مشهداً أكثر تعقيداً بعد تقارب ميداني متزايد بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وبعض الحركات الأزوادية المسلحة.
وترى باماكو في هذا التقارب تهديداً مباشراً لسيادتها ووحدة أراضيها، خاصة إذا تحول التنسيق الميداني إلى تحالف أوسع قادر على استنزاف الجيش وفتح جبهات جديدة في الشمال والوسط.
ولهذا تبدو قائمة المكافآت محاولة لكسر هذا التماسك عبر الضغط على القيادات العليا، وخلق حالة شك داخل الدوائر المحيطة بها، وإضعاف قدرتها على الحركة والتنظيم.
في المقابل، قد يؤدي هذا الأسلوب إلى نتائج عكسية إذا استخدمته الجماعات المسلحة في خطابها الدعائي باعتباره دليلاً على عجز الدولة عن الحسم الميداني، أو إذا دفع القادة المستهدفين إلى مزيد من السرية والتشدد في إدارة شبكاتهم الداخلية.
بين الرمزية والفعالية
تطرح الخطوة سؤالاً أساسياً حول مدى قدرة المكافآت المالية على تغيير موازين القوة في حرب معقدة مثل حرب مالي.
فمن الناحية الرمزية، تمنح القائمة باماكو أداة إعلان سياسي تظهر من خلالها أنها تلاحق كبار القادة ولا تكتفي بالعمليات الدفاعية. أما من الناحية العملية، فإن أثر هذه المكافآت سيتوقف على توفر شبكات استخبارات محلية قادرة على الوصول إلى بيئات مغلقة ومعقدة قبلياً وجغرافياً.
وفي مناطق الساحل، لا تكفي الإغراءات المالية وحدها لاختراق الجماعات المسلحة. فالعلاقات العائلية والقبلية والخوف من الانتقام وغياب الثقة في مؤسسات الدولة كلها عوامل قد تحد من فعالية هذا النوع من الإجراءات.
ومع ذلك، فإن الإعلان يشير إلى أن باماكو تبحث عن أدوات جديدة بعد سنوات من الاعتماد على العمليات العسكرية المباشرة، خاصة في ظل اتساع مساحة الصراع وتعدد الفاعلين المسلحين.
خاتمة
تكشف مكافآت باماكو الأخيرة أن الصراع في مالي دخل مرحلة أكثر تعقيداً، لم تعد فيها المواجهة تدور فقط في ساحات القتال، بل أيضاً داخل شبكات المعلومات والولاءات والبيئات الاجتماعية التي تتحرك فيها الجماعات المسلحة.
فالقرار ليس مجرد إجراء أمني لملاحقة سبعة مطلوبين، بل رسالة سياسية إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء بأن الدولة المالية تحاول نقل المعركة إلى مستوى جديد من الضغط الاستخباراتي والنفسي. غير أن فعالية هذه المقاربة ستظل رهينة لقدرة السلطات على تحويل الإعلان إلى اختراقات حقيقية، لا مجرد خطوة رمزية في حرب طويلة ومفتوحة.
وفي بلد تتقاطع فيه النزاعات المحلية مع التنظيمات الجهادية والحركات الأزوادية والتدخلات الخارجية، قد تكون المكافآت المالية جزءاً من أدوات المواجهة، لكنها لن تكفي وحدها لحسم صراع تتغذى جذوره من أزمات أعمق تتعلق بالحكم والثقة والتنمية والتمثيل السياسي في شمال ووسط مالي.





