Connect with us

Hi, what are you looking for?

إفريقيا

سيول الجنوب الليبي: كارثة طبيعية تكشف هشاشة التهميش المزمن في تهالة وغات والبركت

لم تكن السيول التي اجتاحت بلديات تهالة وغات والبركت في أقصى الجنوب الغربي الليبي نهاية مايو مجرد حادثة مناخية عابرة، بل أعادت تسليط الضوء على واقع التهميش المزمن الذي تعيشه المناطق الحدودية النائية منذ سنوات، حيث تتقاطع هشاشة البنية التحتية مع العزلة الجغرافية وضعف الخدمات الصحية وتكرار الكوارث الطبيعية دون حلول جذرية.

ففي غضون ساعات، تحولت الأمطار الغزيرة إلى سيول جارفة أدت إلى نزوح مئات العائلات وانقطاع الكهرباء والاتصالات وتضرر المنازل والمرافق العامة، لتجد المنطقة نفسها أمام مشهد يتكرر بصورة شبه دورية، لكن دون أن يفضي إلى معالجة مستدامة للأسباب البنيوية التي تجعل هذه البلديات من أكثر المناطق عرضة للكوارث في ليبيا.

جغرافيا تصنع الكارثة

تكشف طبيعة المنطقة الجغرافية جانباً مهماً من أسباب تكرار هذه الأزمة. فبلديات تهالة وغات والبركت تقع داخل حوض منخفض تحيط به المرتفعات الجبلية الممتدة على الحدود الليبية الجزائرية، بما في ذلك سلسلة جبال تاسيلي.

وعند هطول أمطار غزيرة على المرتفعات، تنحدر المياه بسرعة كبيرة عبر الأودية لتتجمع في المناطق المنخفضة، ما يجعل بلدية تهالة في مقدمة المناطق المعرضة للفيضانات والسيول.

ولا يمثل هذا السيناريو حدثاً استثنائياً، إذ شهدت المنطقة خلال السنوات الماضية موجات مماثلة من السيول خلفت أضراراً واسعة وخسائر مادية ونزوحاً للسكان، من دون أن تشهد تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى مثل السدود التحويلية أو شبكات تصريف السيول القادرة على الحد من تكرار الكارثة.

ويزيد من حجم الخسائر أن نسبة كبيرة من المساكن في المنطقة مبنية من الطين والصفيح، وهي مواد لا تتحمل تدفق المياه أو التشبع بالرطوبة لفترات طويلة.

ما بعد السيول.. أزمة صحية صامتة

لا تتوقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار المادي، بل تمتد إلى مخاطر صحية وبيئية قد تكون أكثر خطورة على المدى المتوسط.

فمع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، تشهد المنطقة عادة زيادة في نشاط العقارب الصحراوية. وعندما تجرف السيول التربة وتغمر الجحور الطبيعية، تضطر العقارب إلى البحث عن ملاذات جديدة داخل المنازل المؤقتة ومراكز الإيواء، ما يرفع احتمالات تعرض السكان، وخاصة الأطفال، للدغات خطيرة.

وفي الوقت نفسه، تشكل البرك والمستنقعات التي تخلفها مياه السيول بيئة مثالية لتكاثر ذباب الرمل الناقل لمرض اللاشمانيا، وهو مرض متوطن أصلاً في أجزاء من الجنوب الليبي.

ويخشى العاملون في القطاع الصحي من أن يؤدي تراكم المياه الراكدة وتأخر عمليات الرش والمكافحة إلى زيادة انتشار المرض خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً في ظل محدودية الإمكانات الطبية المتاحة.

وتزداد هذه المخاوف بسبب هشاشة البنية الصحية في المنطقة، حيث تعتمد بلدية تهالة بشكل أساسي على مركز صحي واحد يعاني أصلاً من نقص الكوادر والتجهيزات والأدوية الأساسية، وقد تأثر بدوره جراء السيول ما استدعى عمليات عاجلة لإعادة تشغيله.

عزلة مضاعفة بسبب انقطاع الاتصالات

أحد أكثر التداعيات تعقيداً تمثل في الانقطاع شبه الكامل لخدمات الاتصالات والإنترنت بعد تضرر كابل الألياف البصرية المغذي للمنطقة.

وأدى ذلك إلى عزل تهالة وغات لساعات طويلة عن بقية البلاد، ما أعاق عمليات التنسيق بين فرق الإنقاذ والسلطات المحلية وصعّب عملية حصر الأضرار والمتضررين.

وفي ظل هذا الانقطاع اضطرت فرق الهلال الأحمر والجهات العاملة ميدانياً إلى الاعتماد على وسائل اتصال بديلة، من بينها أجهزة الاتصالات الفضائية، للحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق خلال عمليات الإجلاء والإغاثة.

وتكشف هذه الحادثة حجم التحديات التي تواجهها المناطق الحدودية النائية، حيث يمكن لعطل واحد في البنية التحتية أن يؤدي إلى شلل شبه كامل في الاتصالات والخدمات الأساسية.

الكارثة بين السياسة والإنسانية

أعادت الأزمة أيضاً إبراز طبيعة المشهد السياسي الليبي المنقسم، حيث سعت مختلف الأطراف إلى إظهار حضورها الميداني والاستجابة السريعة للكارثة.

ففي شرق البلاد، صدرت تعليمات بتسيير قوافل إغاثية عاجلة شملت مواد غذائية وخياماً ومولدات كهربائية وسيارات إسعاف، كما رفعت الجهات الصحية والدفاع المدني حالة التأهب في المناطق المجاورة لدعم المتضررين.

وفي غرب البلاد، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية إرسال مساعدات إنسانية وآليات لشفط المياه وفتح الطرق المتضررة، بالتنسيق مع البلديات المحلية والمؤسسات الخدمية.

ورغم استمرار الانقسام السياسي، أظهرت الكارثة أن التحديات الإنسانية في الجنوب تتجاوز خطوط الانقسام التقليدية، وأن حجم الأضرار فرض نوعاً من الاستجابة المتوازية من مختلف الأطراف.

دور محوري للهلال الأحمر والمنظمات الإنسانية

برز الهلال الأحمر الليبي كأحد أهم الفاعلين الميدانيين منذ الساعات الأولى للكارثة، حيث شاركت فرقه في إجلاء العائلات العالقة ونقلها إلى المدارس والمناطق الآمنة المرتفعة.

كما دخلت مؤسسات إنسانية محلية ودولية على خط الأزمة عبر إنشاء غرف طوارئ لتقييم الاحتياجات العاجلة، بما في ذلك توفير مياه الشرب والمواد الغذائية وحليب الأطفال والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء.

وتعكس هذه الجهود حجم الاحتياجات المتزايدة في منطقة تعاني أصلاً من ضعف الخدمات وندرة الموارد قبل وقوع الكارثة.

أزمة تتجاوز حدود الطقس

تكشف كارثة تهالة وغات والبركت أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في السيول وحدها، بل في هشاشة البيئة العمرانية والخدمية التي تجعل من كل موسم أمطار تهديداً وجودياً للسكان.

فبعد سنوات من تكرار السيناريو نفسه، باتت الأزمة تطرح أسئلة تتجاوز الإغاثة الطارئة نحو ضرورة الاستثمار في البنية التحتية الوقائية وشبكات الصرف والحماية من الفيضانات وتعزيز الخدمات الصحية والاتصالات في المناطق الحدودية.

وبالنسبة لسكان الجنوب الليبي، لا تبدو السيول مجرد ظاهرة موسمية، بل أصبحت رمزاً لمعاناة مستمرة مع التهميش والعزلة وضعف التنمية، وهي معاناة تتجدد مع كل موجة أمطار وتنتظر منذ سنوات حلولاً تتجاوز إدارة الكوارث إلى معالجة أسبابها العميقة.

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like

الشرق الأوسط

لا يزال الحديث عن جماعة “الأحباش” الدينية في الأردن وتمددها وصعودها يثير العديد من التساؤلات عن حقيقة تلك الجماعة بين الفينة والأخرى، فمن هي...

غرب إفريقيا والساحل

كشفت جماعة نصرة الإسلام و المسلمين في مالي مقتل 70 مسلحا ممن وصفتهم بالخوارح، في إشارة إلى ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وذلك...

Uncategorized

مازالت ليبيا تعاني من حالة عدم استقرار سياسي وأمني مزمنة، في ظل تنافس واضح بين حكومات متنازعة وميليشيات مسلحة تدعمها قوى إقليمية ودولية مختلفة....

إفريقيا

أكد والي ولاية كيدال عن تنظيم جماعة نصرة الاسلام و المسلمين، سيدن أغ هيتا، المعروف حركيا باسم عثمان القيرواني، أن من أهم الأسباب التي...