تشهد مالي منعطفًا هو الأخطر منذ أكثر من عقد بعد سلسلة هجمات منسقة شنتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة بالتعاون مع جبهة تحرير أزواد، في تصعيد وُصف بغير المسبوق من حيث الحجم والتنسيق، وأدى إلى مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، ما شكل ضربة مباشرة في صميم المؤسسة العسكرية.
يمثل مقتل كامارا، الذي قُتل في هجوم بسيارة مفخخة استهدف مقر إقامته داخل قاعدة كاتي العسكرية، تحولًا نوعيًا في مسار الأزمة. وكان يُنظر إليه باعتباره المهندس الفعلي للسياسة الأمنية للمجلس العسكري، والمسؤول عن إعادة توجيه التحالفات الخارجية، بما في ذلك إنهاء الشراكة مع فرنسا والإشراف على دخول القوات الروسية إلى البلاد.
ويرى مراقبون أن اغتياله لا يشكل فقط خسارة أمنية، بل يثير تساؤلات حول مستقبل التواجد الروسي وقدرة القيادة العسكرية على الحفاظ على تماسكها في ظل تصاعد الضغوط الميدانية.
وجاءت الهجمات لتكشف أيضًا عن تقارب ميداني غير مسبوق بين جماعات ذات توجهات متباينة، حيث أظهرت العمليات تنسيقًا بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ذات الطابع الجهادي، وجبهة تحرير أزواد ذات الأهداف الانفصالية.
ويشير محللون إلى أن هذا التقارب يستند إلى هدف مشترك يتمثل في إخراج الجيش المالي والقوات الروسية من مناطق الشمال والوسط، في إطار استراتيجية أوسع تقوم على استنزاف الدولة وإضعاف قدرتها على السيطرة.
وفي هذا السياق، برزت مؤشرات على تضييق الخناق على العاصمة باماكو من خلال تعطيل طرق الإمداد وفرض قيود على حركة الوقود والسلع، ما زاد من الضغوط الاقتصادية وأثار مخاوف بشأن استقرار البلاد.
وفي شمال البلاد، أكدت تقارير ميدانية انسحاب القوات المالية والروسية من مدينة كيدال، التي تُعد رمزًا استراتيجيًا للصراع في مالي، وذلك بعد أيام من الاشتباكات المكثفة.
ويرى محللون أن هذا التطور يعكس محدودية فعالية الوجود الروسي في مواجهة حرب العصابات، خاصة في ظل تعقيدات الجغرافيا المحلية، مقارنة بالدور الذي كانت تؤديه القوات الفرنسية وبعثة الأمم المتحدة السابقة.
ويضع هذا التصعيد حكومة المرحلة الانتقالية بقيادة الجنرال أسيمي غويتا أمام تحديات متزايدة، مع تزايد المخاوف من تآكل السيطرة الأمنية في مناطق واسعة من البلاد.
كما تعيد التطورات الأخيرة إلى الأذهان مشاهد انهيار مؤسسات الدولة خلال أزمة 2012، في وقت تشير فيه المعطيات إلى أن الجماعات المسلحة قد تعتمد استراتيجية استنزاف طويلة الأمد بدل السعي إلى السيطرة المباشرة على السلطة.
ووفق المعطيات الميدانية الحالية، تعيش باماكو وضواحيها حالة استنفار أمني مشدد، بينما تخضع كيدال لسيطرة جبهة تحرير أزواد بعد انسحاب القوات الحكومية، في حين تواجه طرق الإمداد الرئيسية تهديدات مستمرة تعرقل حركة القوافل وتفاقم نقص الوقود.
وتجد مالي نفسها أمام مفترق حاسم، حيث يواجه المجلس العسكري اختبارًا صعبًا لإعادة ترتيب أولوياته واستعادة زمام المبادرة، في ظل بيئة أمنية معقدة وتحالفات مسلحة متغيرة قد تعيد رسم ملامح الصراع في البلاد.





