في تصعيد جديد يعكس هشاشة الوضع الأمني في مالي، تعرضت ثكنة جورا العسكرية الواقعة في دائرة تنينكو بولاية موبتي، لهجوم مباغت شنته سرية من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين يوم الجمعة 23 مارس الجاري، مما أسفر عن مقتل أربعين جنديا ماليا، واغتنام عدد كبير من الآليات والذخائر الحية، قبل أن تحرق المعدات المتبقية.
وكشفت مصادر ميدانية أن المهاجمين انسحبوا دون خسائر تذكر، وسط صمت رسمي استمر لساعات طويلة، ولم ترصد أي تعزيزات عسكرية حتى صباح اليوم التالي، حين وصلت مروحيات حربية من قاعدة موبتي الجوية، حلقت فوق المعسكر المدمر ونفذت ضربات جوية متفرقة في أطراف المدينة والغابات المحيطة، قبل أن تعود إلى مواقعها دون تفاصيل عن نتائج العملية.
ورصد لاحقا تحرك رتل عسكري من مدينة نونو باتجاه جورا، في خطوة بدت متأخرة لتأمين المنطقة أو توثيق ما تبقى من آثار الهج
سجل أسود وثأر مؤجل
لطالما ارتبط اسم ثكنة جورا بانتهاكات موثقة بحق المدنيين، خاصة من الفلان والطوارق الرعاة، إذ شاعت التقارير حول التعذيب، الاعتقالات العشوائية، والقتل خارج القانون على يد عناصر متمركزة فيها، وهذه السمعة جعلت من جورا هدفا مستمرا للجماعات المسلحة التي تسعى لإضعاف قبضة الجيش في المناطق الريفية.
ويضفي الموقع الجغرافي للثكنة عليها أهمية استراتيجية مزدوجة، إذ تربط وحدات الجيش المالي في ليرا والشمال بطريق نونو – سيغو – باماكو، كما تعد نقطة التقاء بين منطقة ماسينا ذات الغالبية الفلانية، ومنطقة نامبلا الحيوية
جورا مرآة الفشل العسكري في مالي
الهجوم على جورا ليس مجرد ضربة موضعية، بل يحمل دلالات أعمق تجسد التحول النوعي في تكتيكات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الذراع القاعدي الأبرز في الساحل.
ومنذ تشكيلها عام 2017 تحت قيادة إياد أغ غالي، تبنت الجماعة استراتيجية تجمع بين العمل العسكري والاختراق الاجتماعي، مستفيدة من الفراغ المؤسسي والغبن المحلي، خصوصا في المناطق التي يشعر سكانها بأنهم خارج معادلة الحكم.
هذا وأدى انسحاب القوات الفرنسية، وانخفاض فاعلية الشركاء الدوليين، إلى فراغ أمني كبير استغلته الجماعة لإعادة التموقع، وتكثيف هجماتها ضد الثكنات المعزولة، مثل ما حصل في “ديابالي” و”بوني”، ويأتي هجوم جورا كحلقة جديدة في هذا المسار.
والأخطر أن هذا الهجوم يهدد الشريان العسكري الممتد بين شمال ووسط مالي والعاصمة، مما قد يُفضي إلى عزل باماكو عن محيطها في حال تكرار مثل هذه الهجمات، خاصة أن محور نونو – سيغو – موبتي بات يشهد فراغا واضحا في الانتشار العسكري الفاعل.
أما الرد الحكومي فقد اتسم مجددا بـالارتباك والتأخر في التحرك، مما يضعف ثقة السكان في قدرة الدولة على حمايتهم، ويمنح الجماعة زخما دعائيا يعزز من شرعيتها الميدانية لدى بعض الفئات المهمشة.
ويتزامن هذا التصعيد مع استمرار العجز السياسي في باماكو عن بلورة استراتيجية أمنية متماسكة، وسط اعتماد متزايد على شركاء غير تقليديين مثل مجموعة فاغنر الروسية، دون نتائج ملموسة على الأرض.
ويبدو أن الجيش المالي بات محاصرا بين عدو غير تقليدي وبيئة محلية ناقمة، في ظل غياب أفق واضح لإصلاح العلاقة بين الدولة ومجتمعاتها الريفية.

الجدير بالإشارة أن هذه الهجمات تعد مصدرا مهما لتسليح الجماعات الجهادية وأيضا إحراج الحكومة المالية فى مواقف سياسية مثلا الهجمة على ثكنة جورا تزامن مع زيارة وزير الدفاع المالي إلى كيدال فى رسالة مشفرة تفيد بأن الحكومة المالية حتى لو أقامت العالم حول كيدال فإن المناطق الأكثر أهمية فى الجنوب وأطراف العاصمة تظل مرتعا للجماعات المسلحة وأرضا خصبة لتمددها.
عبد الله الكريلي





