تحليل صحفي
في غضون أيام معدودة، تحوّلت سبتة من مدينة إسبانية هادئة على الساحل المغربي إلى بؤرة أزمة تتجاوز حدودها الجغرافية الضيقة. عشرات الآلاف من الشبان توافدوا سباحة وسيرا نحو المدينة، في أكبر عملية عبور جماعي تشهدها المنطقة منذ عام 2021. لكن ما يستحق التوقف عنده ليس حجم الأرقام وحدها، بل ما تكشفه هذه اللحظة عن هشاشة منظومة إدارة الهجرة في جنوب أوروبا، وعن العلاقة المتوترة بين الرباط ومدريد، وعن انقسام أوروبي متجدد حول من يتحمل عبء الحدود الخارجية للاتحاد.
أرقام متضاربة تعكس فوضى اللحظة
بدأ المشهد بوصول نحو 1500 شخص سباحة إلى الشواطئ الإسبانية، قبل أن يتضاعف العدد خلال يوم واحد بشكل غير متوقع. غير أن الجهات الرسمية نفسها اختلفت في تقدير حجم التدفق: حاكم سبتة تحدث عن ستين ألف عابر، أي ما يفوق نصف سكان المدينة، بينما خفّضت وزارة الداخلية الإسبانية الرقم إلى نحو 49 ألفا خلال 24 ساعة فقط. هذا التفاوت بحد ذاته مؤشر على أن السلطات فوجئت بالحدث ولم قد تكن تملك أدوات رصد دقيقة في اللحظة الأولى.
لاحقا، أعلنت مدريد إعادة نحو 69500 شخص إلى المغرب، فيما بقي بين ثلاثة وخمسة آلاف داخل المدينة، في وضع لم تصفه السلطات المحلية بأنه طبيعي بعد، بل ما زالت مرافق الاستقبال تحت ضغط.
الأطفال، الحلقة الأضعف في الأزمة
من بين كل التفاصيل، يبرز رقم واحد بوصفه الأكثر دلالة على حجم الانهيار الإداري: 862 قاصرا غير مرافَق تستضيفهم المدينة، مقابل طاقة استيعابية رسمية لا تتجاوز 29 مكانا، أي تجاوز يقترب من ثلاثين ضعفا. هذا الرقم لا يعكس فقط أزمة لوجستية، بل يعيد فتح ملف قانوني حساس؛ فالقضاء الإسباني كان قد قضى في يناير 2024 بأن إعادة قاصرين من سبتة إلى المغرب عام 2021 جرت بشكل مخالف للقانون، لغياب الضمانات الفردية الواجبة لكل طفل. بمعنى آخر، السلطات تجد نفسها اليوم أمام معضلة مزدوجة: إيواء غير كافٍ من جهة، وقيود قضائية تحد من خيارات الإعادة السريعة من جهة أخرى.
حصيلة بشرية تتصاعد وسط غموض
توازيا مع الأزمة الإدارية، تصاعدت الحصيلة الإنسانية للحدث. الأرقام الأولية تحدثت عن 57 جثة انتُشلت من الجانب الإسباني و11 قتيلا أعلنت عنهم الداخلية المغربية، قبل أن ترتفع الحصيلة في تقارير إعلامية إسبانية لاحقة إلى 88 جثة من مياه البحر. هذا التدرج في الأرقام، مع تأكيد الرباط استمرار التحقق من الهويات والجنسيات بالتنسيق مع مدريد، يعكس صعوبة حصر الضحايا في عملية عبور بهذا الحجم والفوضى.
عسكرة الحدود كاستجابة فورية
الاستجابة الأمنية جاءت سريعة ومزدوجة الاتجاه. من الجانب الإسباني، طلبت سلطات سبتة تدخل الجيش لدعم الشرطة، وأعلنت الداخلية نشر قوات مسلحة إضافية لمساندة الدرك، فيما استُكمل تركيب حاجز عائم بطول 500 متر عند معبر تراخال لعرقلة العبور البحري. من الجانب المغربي، انتشرت شاحنات مدافع المياه عند مداخل المدينة. وأعلن البلدان تعزيز التنسيق الأمني لإعادة الوافدين بصورة غير قانونية، في مؤشر على أن التعاون الثنائي، رغم توتراته الدورية، ظل الإطار العملي الوحيد لاحتواء الأزمة ميدانيا.
جدل سياسي داخلي: من فشل في التوقع؟
داخليا، فتحت الأزمة معركة سياسية بين الحكومة الإسبانية والمعارضة. حزب الشعب اتهم الحكومة بتجاهل إنذارات استخباراتية مسبقة، فيما نفت الحكومة تلقي أي تحذير بهذا الحجم، معتبرة الحدث “غير مسبوق” على حد تعبير المتحدثة باسمها. رئيس الوزراء بيدرو سانشيز اختار لهجة أكثر حدة، واصفا ما جرى بـ”هجوم ضد السيادة الوطنية”، وهي عبارة تحمل دلالة مزدوجة: طمأنة الرأي العام الداخلي من جهة، وتجنب إحراج الشريك المغربي مباشرة من جهة أخرى، إذ أشاد في الوقت نفسه بتعاون الرباط في إعادة المهاجرين ومكافحة شبكات التهريب.
حين تتحول أزمة ثنائية إلى خلاف أوروبي
الأخطر من الناحية السياسية أن الأزمة لم تبق حبيسة العلاقة الإسبانية المغربية، بل انتقلت إلى قلب النقاش الأوروبي حول اتفاقية شنغن. إيطاليا، بصوت وزير خارجيتها ونائب رئيس وزرائها ماتيو سالفيني، دعت إلى تعليق عضوية إسبانيا في المنطقة الحرة للتنقل، ونفذت لاحقا تعليقا فعليا للعمل بالاتفاقية مع مدريد. فنلندا أيدت الموقف الإيطالي، معتبرة أن الدول العاجزة عن حماية حدودها الخارجية لا ينبغي أن تبقى ضمن الفضاء الأوروبي المفتوح. فرنسا، بدورها، اختارت مقاربة أكثر حذرا عبر تشديد الرقابة على حدودها مع إسبانيا دون الذهاب إلى خطاب التعليق. مدريد ردت بحدة، ووصف وزير خارجيتها المواقف الإيطالية بأنها “غير مقبولة”، مطالبا بتضامن أوروبي حقيقي بدل “المزايدة السياسية”. هذا الانقسام يكشف عن هشاشة عميقة في آلية تقاسم المسؤولية داخل الاتحاد الأوروبي كلما تعرضت إحدى الدول الأعضاء لضغط هجرة استثنائي.
الجذور: بطالة، طموح محبط، وضغوط جيوسياسية متشابكة
الأزمة لم تنشأ من فراغ. المغرب يسجل معدل بطالة بلغ 13% خلال 2025، فيما يشير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن نحو 1.5 مليون شاب بين 15 و24 عاما خارج سوق العمل بالكامل — فئة عمرية تمثل خزانا محتملا لموجات عبور مستقبلية. لكن القراءة الاقتصادية وحدها لا تكفي لتفسير الظاهرة. فبحسب محللين إقليميين، يواجه المغرب ضغوطا مزدوجة: من إسبانيا والاتحاد الأوروبي لضبط تدفقات المهاجرين الأفارقة العابرين عبر أراضيه، ومن مواطنيه الراغبين هم أنفسهم في الهجرة، في وقت يرى فيه بعض المراقبين أن الرباط لا تحصل على الدعم الكافي مقابل هذا الدور، خصوصا مع تشابك ملفات أخرى كقضية الصحراء المغربية ووضعية سبتة ومليلية. وثمة بعد اجتماعي إضافي يستحق الانتباه: المغرب من أغنى الدول الأفريقية نسبيا، لكن الهجرة تحولت لدى شريحة واسعة من الشباب إلى هاجس نفسي أكثر منه ضرورة معيشية قصوى، إذ تغذيه المقارنة المستمرة بما “يملكه الآخرون” بدل تثمين ما هو متاح محليا.
خلاصة: أزمة تتكرر ما لم تُعالَج أسبابها
ما جرى في سبتة ليس حادثا عابرا يُطوى بمجرد إعادة الأوضاع إلى “طبيعتها” الظاهرية. إنه عرض لخلل بنيوي متعدد الطبقات: إدارة أزمات غير مؤهلة للتعامل مع تدفقات مفاجئة، ثغرات قانونية في التعامل مع القاصرين غير المصحوبين، توتر بنيوي داخل الفضاء الأوروبي حول تقاسم أعباء الحدود، وأخيرا جذور اقتصادية واجتماعية عميقة لم تُعالَج في المغرب نفسه. وطالما بقيت هذه الطبقات الأربع دون معالجة متزامنة، فإن تكرار سيناريو سبتة، بأشكال مختلفة وربما في نقاط حدودية أخرى، يبقى احتمالا مطروحا وليس استثناء.





