لم تعد التحولات الجارية في منطقة الساحل الأفريقي مجرد انعكاس لسلسلة من الانقلابات العسكرية أو لتدهور الأوضاع الأمنية فحسب، بل تحولت إلى مشروع سياسي وجيوسياسي متكامل يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في غرب أفريقيا. فبعد عقود من هيمنة الأطر الإقليمية التقليدية والشراكات الأمنية الغربية، برزت مالي وبوركينا فاسو والنيجر كقوة سياسية جديدة تسعى إلى بناء فضاء سيادي مستقل عبر “كونفدرالية دول الساحل”، في تحدٍ غير مسبوق للمنظومة الإقليمية التي تقودها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس).
ويعكس المشهد الحالي واحدة من أعمق عمليات إعادة التموضع السياسي والأمني التي شهدتها المنطقة منذ استقلال دولها، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية مع اعتبارات السيادة الوطنية، بينما تتداخل الأزمات الإنسانية مع الصراعات الجيوسياسية المتصاعدة بين القوى الإقليمية والدولية.
من تحالف أمني إلى مشروع سياسي
شكّل إنشاء “تحالف دول الساحل” في سبتمبر 2023 نقطة الانطلاق لهذا التحول الاستراتيجي. ففي البداية، ظهر التحالف كآلية دفاعية تهدف إلى مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية التي أعقبت الانقلابات العسكرية في الدول الثلاث، لكنه سرعان ما تطور إلى مشروع سياسي أوسع تُوج بإعلان “كونفدرالية دول الساحل”.
وتقوم الفلسفة السياسية للكونفدرالية على فكرة مركزية مفادها أن الأنظمة العسكرية الحاكمة لا ترى في التهديدات الأمنية مجرد خطر عسكري، بل تعتبرها نتيجة مباشرة لفشل المنظومات الإقليمية السابقة وتراجع قدرة الدولة الوطنية على فرض سيادتها. ومن هذا المنطلق، باتت السيادة تشكل حجر الأساس في الخطاب السياسي الجديد للعواصم الثلاث.
ولم يقتصر الأمر على الخطاب السياسي، بل تُرجم عملياً عبر إنشاء هياكل تنسيق مشتركة وتطوير آليات دفاع جماعي تسمح بالتدخل العسكري المتبادل عند تعرض أي دولة عضو لتهديد أمني، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ المنطقة.
عقيدة أمنية جديدة
يمثل البعد العسكري الركيزة الأساسية للمشروع الجديد. فالدول الثلاث تواجه خصماً مشتركاً يتمثل في الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، والتي تستغل هشاشة الحدود وضعف مؤسسات الدولة للتمدد عبر مساحات شاسعة من الصحراء.
ولهذا انتقلت الجيوش الثلاثة من مرحلة التنسيق الحدودي التقليدي إلى تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ ضربات منسقة وعمليات ميدانية متزامنة على طول الحدود المشتركة.
ويرى قادة الدول الثلاث أن نجاح هذه المقاربة سيشكل اختباراً حاسماً لمستقبل الكونفدرالية بأكملها، إذ إن شرعية المشروع الجديد تعتمد بدرجة كبيرة على قدرته في تحقيق نتائج أمنية ملموسة تختلف عن نتائج الشراكات الغربية السابقة التي تعرضت لانتقادات واسعة.
غير أن هذا التوجه يواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية الموارد الاقتصادية والعسكرية، واتساع رقعة العمليات، وقدرة الجماعات المسلحة على التكيف مع الضغوط العسكرية والانتقال المستمر بين الحدود الوطنية.
مفارقة اللجوء والأمن
تكشف أزمة اللاجئين جانباً آخر من تعقيدات المشهد الحالي. فبينما تخوض مالي معارك أمنية على عدة جبهات، تحولت في الوقت نفسه إلى وجهة لعشرات الآلاف من اللاجئين القادمين من بوركينا فاسو والنيجر.
وتضع هذه الموجات البشرية المتزايدة ضغوطاً إضافية على السلطات المحلية التي تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات الاقتصادية والخدمات الأساسية. كما تفرض تحديات أمنية واستخباراتية معقدة تتعلق بضرورة التمييز بين المدنيين الفارين من العنف والعناصر المسلحة التي قد تستغل حركة النزوح للتسلل عبر الحدود.
وتعكس هذه المفارقة حقيقة أساسية في الساحل، وهي أن الأزمات الأمنية والإنسانية أصبحت مترابطة إلى درجة تجعل من الصعب الفصل بينهما أو معالجتهما بصورة مستقلة.
الإكواس بين الردع والواقعية
في المقابل، وجدت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا نفسها أمام أكبر تحدٍ مؤسسي منذ تأسيسها. فقد كانت العقوبات الاقتصادية والسياسية التي فرضتها على المجالس العسكرية تهدف إلى إجبارها على العودة إلى الحكم المدني، لكن النتيجة جاءت معاكسة لما كانت تتوقعه المنظمة.
فبدلاً من الرضوخ للضغوط، اختارت مالي وبوركينا فاسو والنيجر الانسحاب الجماعي من المنظمة، في خطوة شكلت سابقة تاريخية هزت أسس المنظومة الإقليمية في غرب أفريقيا.
ومع اكتمال الانفصال رسمياً في يناير 2025، اضطرت “إيكواس” إلى الانتقال من سياسة الضغط إلى سياسة إدارة الواقع الجديد. وأصبح الهدف الرئيسي ليس إعادة الدول الثلاث إلى المنظمة، بل الحد من الخسائر الاقتصادية والأمنية الناجمة عن الانقسام.
وفي هذا الإطار، برز دور وسطاء إقليميين مثل الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي والرئيس التوغولي فور غناسينغبي، اللذين حاولا إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين الجانبين.
كما تركزت المفاوضات على ملفات عملية تشمل حرية تنقل الأشخاص والبضائع، وحماية مصالح ملايين المواطنين المقيمين خارج بلدانهم الأصلية، والحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق الأمني والاستخباراتي في مواجهة التهديدات المشتركة.
صراع النفوذ الدولي
لا يمكن فهم التحولات الحالية بمعزل عن التنافس الدولي المتصاعد في أفريقيا. فقد رافق صعود كونفدرالية دول الساحل تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي وصعود شراكات جديدة مع روسيا وفاعلين دوليين آخرين.
وتقدم السلطات العسكرية هذا التحول باعتباره استعادة للسيادة الوطنية وتحرراً من الإرث الاستعماري، بينما يرى منتقدون أن المنطقة قد تكون بصدد استبدال تبعية بأخرى، دون معالجة المشكلات البنيوية العميقة التي تعاني منها الدولة في الساحل.
ويبدو أن الصراع الدائر اليوم لا يتعلق فقط بمكافحة الجماعات المسلحة، بل أيضاً بتحديد هوية الشريك الدولي الذي سيؤثر في مستقبل المنطقة خلال العقود المقبلة.
مستقبل مجهول بين الطموح والواقع
تمثل كونفدرالية دول الساحل اليوم أحد أكثر المشاريع السياسية طموحاً في أفريقيا المعاصرة، لكنها في الوقت ذاته تواجه اختباراً بالغ الصعوبة. فنجاحها لن يقاس فقط بقدرتها على تحدي “إيكواس” أو تقليص النفوذ الغربي، بل بمدى قدرتها على توفير الأمن وتحسين الظروف الاقتصادية وإدارة الأزمات الإنسانية المتفاقمة.
وفي المقابل، تواجه “إيكواس” اختباراً وجودياً يتعلق بقدرتها على الحفاظ على مكانتها كإطار إقليمي جامع بعد خسارة ثلاث دول تمثل عمقاً جغرافياً واستراتيجياً مهماً في غرب أفريقيا.
وفي النهاية، يبدو أن الجغرافيا تفرض على جميع الأطراف قدراً من التعاون مهما بلغت حدة الخلافات السياسية. فالجماعات المسلحة لا تعترف بالحدود، وحركات النزوح والتجارة والتهريب تتجاوز الاعتبارات الدبلوماسية، ما يجعل مستقبل المنطقة مرهوناً بقدرة الفاعلين الإقليميين على إيجاد توازن جديد بين السيادة الوطنية والتعاون الإقليمي.
وحتى ذلك الحين، سيبقى الساحل الأفريقي مختبراً مفتوحاً لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في غرب أفريقيا، ومسرحاً لصراع تتداخل فيه اعتبارات الأمن والسياسة والهوية والسيادة في آن واحد.





