حذّر قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، الجنرال داغفين أندرسون، من أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، المرتبطة بتنظيم القاعدة، باتت تقترب من امتلاك مقومات “كيان شبيه بالدولة” في منطقة الساحل، في ظل توسع سيطرتها الميدانية وقدرتها المتزايدة على خنق خطوط الإمداد الحيوية وعزل المدن الرئيسية.
وقال أندرسون إن الجماعة أظهرت “قدرة متزايدة على السيطرة على مناطق استراتيجية”، من خلال استهداف طرق الإمداد وقطع قوافل الوقود المتجهة إلى المراكز السكانية، محذراً من أن سقوط إحدى عواصم المنطقة في أيديها سيمنحها مقومات الدولة، ويوفر لها قاعدة آمنة لتوسيع أنشطتها الإرهابية خارج القارة الإفريقية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه الساحل تصعيداً غير مسبوق في عمليات الجماعة، التي كثفت خلال الأشهر الأخيرة هجماتها على القواعد العسكرية، واستهدفت طرق الإمداد الرئيسية، ووسعت نطاق عملياتها من شمال ووسط مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر، وصولاً إلى أطراف دول خليج غينيا.
من حرب العصابات إلى إدارة الأرض
يرى عدد من الخبراء الأمنيين أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لم تعد تعتمد فقط على أسلوب حرب العصابات التقليدي، بل باتت تطبق استراتيجية تقوم على السيطرة التدريجية على الأرض وإضعاف مؤسسات الدولة.
وتعتمد هذه الاستراتيجية على فرض حصار على المدن، وقطع طرق الإمداد التجارية والعسكرية، واستهداف شاحنات الوقود، بما يؤدي إلى إنهاك القوات الحكومية وإضعاف الخدمات الأساسية داخل المناطق المستهدفة.
وفي المناطق التي تنشط فيها، تسعى الجماعة إلى إنشاء منظومة إدارة محلية، تشمل الفصل في النزاعات عبر محاكم شرعية، وجباية الزكاة، وتأمين الطرق والخدمات في المناطق الخاضعة لنفوذها، مستفيدة من ضعف حضور الدولة والانتهاكات التي وثقتها منظمات دولية بحق المدنيين خلال العمليات العسكرية.
مخاوف تتجاوز واشنطن
ولا تقتصر هذه المخاوف على الولايات المتحدة، إذ حذر الاتحاد الإفريقي في اجتماعات لمجلس السلم والأمن من أن تصاعد نشاط الجماعات المسلحة يهدد وحدة دول الساحل واستقرارها.
كما تشير تقارير الأمم المتحدة ومراكز أبحاث دولية، من بينها مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR)، إلى أن نفوذ الجماعات المرتبطة بالقاعدة توسع خلال السنوات الأخيرة باتجاه بنين وتوغو وساحل العاج، في تطور يثير مخاوف من انتقال التهديد إلى السواحل المطلة على خليج غينيا.
وتبدي دول غرب إفريقيا، بما فيها غانا والسنغال وساحل العاج، قلقاً متزايداً من احتمال انهيار إضافي في الوضع الأمني، وما قد يترتب عليه من تحول أجزاء واسعة من الساحل إلى ملاذ آمن للجماعات المسلحة.
تحولات ميدانية متسارعة
ويأتي التحذير الأمريكي بينما تواصل السلطات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو الاعتماد على العمليات العسكرية المكثفة، بدعم من الفيلق الروسي، في مواجهة الجماعات المسلحة والحركات الأزوادية، في حين تواصل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين توسيع نفوذها في مناطق ريفية واستراتيجية، مستفيدة من هشاشة مؤسسات الدولة واتساع الفراغ الأمني.
ويرى مراقبون أن الصراع في الساحل دخل مرحلة جديدة، لم تعد تقتصر على تنفيذ هجمات متفرقة، بل تتجه نحو منافسة الدولة على السيطرة الفعلية على الأرض وإدارة السكان والموارد، وهو تطور تعتبره دوائر أمنية غربية أحد أخطر التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.





