تشهد ليبيا تصاعداً متزامناً في الجدل حول ملفي الهجرة غير النظامية والهوية الوطنية، بعد احتجاجات استهدفت مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في طرابلس، بالتوازي مع تجدد النقاش بشأن أوضاع آلاف العائلات الليبية الحاملة لـ”الرقم الإداري”، التي تطالب بتسوية أوضاعها القانونية والحصول على حقوق المواطنة الكاملة.
ويرى مراقبون أن القضيتين، رغم اختلافهما، أصبحتا تتقاطعان في قلب الجدل السياسي الليبي، حيث تمتزج الاعتبارات الأمنية والديموغرافية والإنسانية مع الصراع الداخلي على السلطة والعلاقات مع الشركاء الدوليين.
احتجاجات ضد مفوضية اللاجئين
شهدت منطقة السراج غرب العاصمة طرابلس احتجاجات واسعة، أغلق خلالها متظاهرون مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين باستخدام سواتر ترابية وآليات ثقيلة، كما نصبوا خياماً معلنين اعتصاماً مفتوحاً.
ورفع المحتجون شعارات من بينها “لا للتوطين.. ليبيا لليبيين” و”خروج المفوضية مطلب وطني”، معبرين عن رفضهم لما يعتبرونه تحول ليبيا إلى مركز دائم لاستقبال المهاجرين غير النظاميين.
ويخشى المحتجون من أن تؤدي السياسات الأوروبية الرامية إلى الحد من الهجرة عبر البحر المتوسط، من خلال دعم عمليات اعتراض المهاجرين وإعادتهم إلى ليبيا، إلى بقاء أعداد كبيرة منهم داخل البلاد بصورة دائمة، في ظل تعثر برامج إعادة التوطين أو العودة الطوعية.
ويُقدّر عدد الأجانب الموجودين في ليبيا بالملايين، بينهم نسبة كبيرة من المهاجرين غير النظاميين، وهو ما يجعل ملف الهجرة أحد أكثر الملفات حساسية على المستويين الأمني والسياسي.
الرقم الإداري… مواطنون خارج منظومة الجنسية
بالتوازي مع الجدل حول الهجرة، عاد ملف “الرقم الإداري” إلى الواجهة، حيث تطالب آلاف العائلات الليبية بتسوية أوضاعها القانونية ومنحها الرقم الوطني.
وتضم هذه الفئة عائلات تنتمي إلى مكونات اجتماعية مختلفة، من بينها الطوارق والتبو وبعض العائلات العربية، عاد عدد كبير منها إلى ليبيا بعد عقود من الإقامة في دول الجوار، لكنها بقيت خارج منظومة السجل المدني الدائم.
ويقول ممثلو هذه الفئات إن أبناءهم ولدوا في ليبيا ولا يعرفون وطناً غيرها، إلا أنهم ما زالوا يواجهون صعوبات في الحصول على الوثائق الرسمية والاستفادة من عدد من الحقوق المدنية.
معسكران متقابلان
يرى مؤيدو منح الجنسية أو تسوية أوضاع أصحاب الرقم الإداري أن استمرار حرمان آلاف الأسر من حقوقها القانونية يفاقم مشكلات الاندماج ويؤثر على فرص التعليم والعمل والرعاية الصحية، خاصة بالنسبة للأجيال الجديدة التي نشأت داخل ليبيا.
في المقابل، تدعو أطراف أخرى إلى توخي الحذر في أي عملية تجنيس، معتبرة أن الملف يحتاج إلى تدقيق قانوني وتاريخي شامل، خشية استغلاله سياسياً أو التأثير على التوازنات السكانية في البلاد.
كما يطالب بعض الناشطين بالاستناد إلى السجلات التاريخية والوثائق الرسمية للتحقق من طلبات الحصول على الجنسية، في ظل استمرار هشاشة المؤسسات والانقسام السياسي.
الهجرة كورقة سياسية
يرى محللون أن ملف الهجرة لم يعد قضية إنسانية فقط، بل أصبح ورقة سياسية واقتصادية في العلاقات بين ليبيا والاتحاد الأوروبي.
وتتنافس المؤسسات والسلطات المختلفة داخل ليبيا على إدارة هذا الملف، لما يرتبط به من تعاون أمني وتمويل ومشروعات دولية، بينما تبقى قضية الجنسية والهوية الوطنية إحدى أكثر القضايا تعقيداً في المشهد الليبي.
تحديات متوازية
ويشير مراقبون إلى أن ليبيا تواجه اليوم تحديين متزامنين؛ الأول يتمثل في إدارة تدفقات الهجرة غير النظامية والضغوط الأوروبية المرتبطة بها، والثاني يتعلق بإيجاد حلول قانونية عادلة لآلاف الأسر الليبية التي لا تزال خارج منظومة الجنسية.
وبين هذين الملفين، تظل الأسئلة المتعلقة بالهوية والسيادة وحقوق الإنسان ومستقبل الدولة الليبية من أكثر القضايا حضوراً في النقاش العام، في انتظار حلول سياسية ومؤسساتية قادرة على معالجة جذور الأزمة.





