تكتسب الزيارة التي يؤديها رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي المنتخب حديثاً، الدبلوماسي الجيبوتي محمود علي يوسف، إلى الجزائر أهمية تتجاوز الأبعاد البروتوكولية المعتادة، إذ تأتي في مرحلة تشهد فيها القارة الأفريقية تحديات متزايدة على المستويات الأمنية والاقتصادية والتنموية، بالتزامن مع إعادة ترتيب أولويات الاتحاد الأفريقي وبناء فريقه القيادي الجديد.
وتعكس المحادثات التي يجريها المسؤول الأفريقي رفقة وفد رفيع المستوى مع كبار المسؤولين الجزائريين إدراكاً متزايداً داخل الاتحاد الأفريقي للدور الذي باتت تلعبه الجزائر كأحد أبرز الفاعلين السياسيين والماليين والأمنيين في القارة، في وقت تسعى فيه المؤسسات الأفريقية إلى تعزيز استقلالية القرار القاري وتقليص الاعتماد على التمويل الخارجي.
الجزائر في قلب القيادة التنفيذية للاتحاد
تأتي هذه الزيارة بعد أشهر من الانتخابات التي أعادت تشكيل هرم القيادة داخل الاتحاد الأفريقي، حيث نجحت الجزائر في تعزيز حضورها داخل الجهاز التنفيذي للمنظمة القارية عبر انتخاب الدبلوماسية الجزائرية سلمى مليكة حدادي نائباً لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي.
ويمثل هذا التطور مكسباً دبلوماسياً مهماً للجزائر، إذ يمنحها موقعاً مؤثراً داخل المؤسسة التنفيذية المكلفة بمتابعة وتنفيذ السياسات القارية، كما يتيح لها المشاركة المباشرة في إدارة الملفات السياسية والتنموية والأمنية التي تواجه القارة.
ويرى مراقبون أن وجود مسؤول جزائري في هذا المنصب ينسجم مع توجه أوسع تتبناه الجزائر منذ سنوات يقوم على تعزيز حضورها داخل المؤسسات الأفريقية وإعادة توجيه جزء من ثقلها الدبلوماسي نحو العمق الأفريقي بعد عقود من التركيز على القضايا الإقليمية والمتوسطية.
التمويل كأداة للنفوذ والاستقلالية
لا يقتصر الدور الجزائري داخل الاتحاد الأفريقي على الحضور السياسي والدبلوماسي، بل يمتد إلى الجانب المالي الذي أصبح أحد أهم عناصر النفوذ داخل المؤسسات القارية.
فالجزائر تعد واحدة من أكبر الدول المساهمة في تمويل الميزانية العادية للاتحاد الأفريقي، ما يجعلها ضمن الداعمين الرئيسيين لاستمرارية عمل المنظمة ومؤسساتها المختلفة.
وتكتسب هذه المساهمات أهمية خاصة في ظل الجدل المستمر داخل الاتحاد بشأن ضرورة تعزيز الاستقلال المالي للمنظمة وتقليل اعتمادها على الشركاء والجهات المانحة الخارجية، وهو الهدف الذي تدافع عنه الجزائر باستمرار باعتباره شرطاً أساسياً لتعزيز استقلالية القرار الأفريقي.
كما تبرز الجزائر باعتبارها أحد المساهمين الرئيسيين في تمويل صندوق السلم الأفريقي، الذي يمثل الآلية الأساسية لدعم عمليات حفظ السلام والوساطة وتسوية النزاعات ومكافحة الإرهاب في مناطق التوتر المختلفة بالقارة.
ربط الأمن بالتنمية
خلال السنوات الأخيرة، تبنت الجزائر مقاربة تقوم على الربط بين الأمن والتنمية باعتبارهما وجهين لقضية واحدة، خاصة في مناطق الساحل والصحراء التي تعاني من هشاشة اقتصادية وتحديات أمنية متزايدة.
وفي هذا السياق، أعلنت الجزائر تخصيص مليار دولار لصالح الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية بهدف تمويل مشاريع تنموية في الدول الأفريقية، تشمل البنية التحتية والربط الإقليمي والخدمات الأساسية في المناطق الحدودية والأقل نمواً.
وتندرج هذه المبادرة ضمن رؤية أوسع تعتبر أن معالجة جذور الأزمات الأمنية لا يمكن أن تتم من خلال المقاربة العسكرية وحدها، بل تتطلب أيضاً الاستثمار في التنمية الاقتصادية وتحسين الخدمات وخلق فرص العمل.
وفي الاتجاه نفسه، أطلقت الجزائر مبادرة ثانية بقيمة مليار دولار مخصصة لدعم الشركات الناشئة والابتكار وريادة الأعمال في أفريقيا، في محاولة لتعزيز الاقتصاد الرقمي وتشجيع الشباب الأفريقي على الانخراط في مشاريع إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل جديدة.
ويمثل هذا التوجه تحولاً ملحوظاً في أدوات الحضور الجزائري داخل القارة، حيث لم يعد يقتصر على الوساطة السياسية أو التعاون الأمني، بل بات يشمل أدوات التنمية والاستثمار والاقتصاد الرقمي.
إرث تضامني وثقل أمني
تستند الجزائر في تعزيز مكانتها القارية إلى إرث طويل من الدعم السياسي والاقتصادي للدول الأفريقية، يعود إلى مرحلة حركات التحرر الوطني وما تلاها من مبادرات تضامنية مختلفة.
ومن أبرز هذه المبادرات قرار الجزائر إلغاء ديون مستحقة لها على أكثر من أربع عشرة دولة أفريقية، تجاوزت قيمتها الإجمالية 3.5 مليارات دولار، في خطوة هدفت إلى تخفيف الأعباء المالية عن الدول المستفيدة ودعم استقرارها الاقتصادي.
وفي الجانب الأمني، تواصل الجزائر لعب دور محوري في القضايا المرتبطة بمنطقة الساحل وشمال أفريقيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وخبرتها الطويلة في ملفات مكافحة الإرهاب وتسوية النزاعات.
كما تحولت ندوة وهران للسلم والأمن في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة إلى منصة مهمة للنقاش الاستراتيجي حول التحديات الأمنية التي تواجه القارة، فضلاً عن الدور الذي تلعبه الجزائر في الدفع نحو إصلاح منظومة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بما يضمن تمثيلاً دائماً وأكثر عدالة للقارة الأفريقية.
نحو شراكة أعمق مع القيادة الجديدة للاتحاد
تعكس زيارة محمود علي يوسف إلى الجزائر إدراكاً متبادلاً لأهمية التنسيق بين مفوضية الاتحاد الأفريقي والجزائر في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والتغيرات المناخية والنزاعات المسلحة والإصلاح المؤسسي داخل الاتحاد.
وبالنسبة للجزائر، تمثل هذه الزيارة فرصة لترسيخ موقعها كأحد أبرز الداعمين للمشروع الأفريقي المشترك، ليس فقط من خلال مساهماتها المالية، بل أيضاً عبر دورها السياسي والأمني والتنموي المتنامي.
وفي المقابل، يبدو أن القيادة الجديدة للاتحاد الأفريقي تنظر إلى الجزائر باعتبارها شريكاً أساسياً في تنفيذ العديد من أولويات القارة خلال السنوات المقبلة، ما يجعل هذه الزيارة مؤشراً على مرحلة جديدة من التنسيق الاستراتيجي بين الطرفين في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلول أفريقية للتحديات الأفريقية.





