تشهد بوركينا فاسو منعطفاً سياسياً وأمنياً بالغ الحساسية، بعدما امتدت إجراءات المجلس العسكري الحاكم من ملاحقة المعارضين السياسيين والنشطاء المدنيين إلى التضييق على شخصيات وهيئات دينية إسلامية، في خطوة أثارت قلقاً واسعاً داخل البلاد وخارجها.
فقرار تعليق نشاط جمعيات إسلامية، واعتقال إمام بارز في واغادوغو، ثم التعامل الصارم مع المحتجين، يعكس توسعاً في مقاربة أمنية ترى في كل قدرة على الحشد أو التعبئة تهديداً محتملاً للسلطة، حتى عندما تصدر عن أطر دينية أو اجتماعية تقليدية.
تعليق الجمعيات الإسلامية
أعلنت السلطات في بوركينا فاسو تعليق نشاط “تنسيقية شباب مسلمي بوركينا فاسو” و”جمعية السلام” لمدة ثلاثة أشهر، في قرار قالت إنه يهدف إلى حماية النظام العام ومنع أي انزلاق أمني.
لكن مراقبين يرون أن القرار يتجاوز البعد الإداري، ويعكس خشية متزايدة لدى المجلس العسكري من تحول الشبكات الشبابية والدينية إلى منصات للتعبير عن الغضب الشعبي، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية واتساع رقعة الحرب ضد الجماعات المسلحة.
وتنظر السلطات إلى هذه الجمعيات باعتبارها قادرة على تعبئة الشباب وتنظيم الاحتجاجات، وهو ما يجعلها، في نظر النظام، فضاءات محتملة للمعارضة أكثر من كونها مجرد مؤسسات دعوية أو خيرية.
اعتقال إمام المسجد الكبير
زاد اعتقال إمام المسجد الكبير في واغادوغو من حدة التوتر، نظراً للمكانة الرمزية والدينية التي يتمتع بها المسجد والإمام داخل المجتمع البوركينابي.
ويربط متابعون هذا التوقيف بخطب ومواقف يُعتقد أنها انتقدت ضمنياً المقاربة الأمنية الصرفة، أو عبّرت عن قلق من التجاوزات التي تطال المدنيين خلال العمليات العسكرية ضد الجماعات المتشددة.
ويبدو أن المجلس العسكري يسعى إلى دفع المؤسسات الدينية إلى تبني خطاب داعم بالكامل لما يسميه “المجهود الوطني” في الحرب، بينما تُعد أي مواقف مستقلة أو نقدية خروجاً عن الخط الرسمي.
التجنيد القسري كأداة ردع
تتزايد الاتهامات الموجهة للسلطات باستخدام التجنيد القسري كوسيلة لمعاقبة المحتجين والمعارضين.
فبحسب شهادات وتقارير محلية، يتم توقيف شبان شاركوا في احتجاجات أو وقفات تضامنية، ثم إدراج بعضهم ضمن قوائم “متطوعي الدفاع عن الوطن” أو إرسالهم إلى مناطق قتال ساخنة في شمال وشرق البلاد.
وتحول هذه الآلية التجنيد من واجب وطني طوعي إلى أداة عقابية وردعية، تهدف إلى منع الشارع من التعبير عن الغضب أو التضامن مع الشخصيات الدينية المعتقلة.
لكن هذا الأسلوب يحمل مخاطر كبيرة، لأنه قد يعمق العداء بين الدولة وفئات من الشباب، ويحوّل التجنيد القسري إلى مصدر جديد للاحتقان الاجتماعي بدل أن يكون أداة لتعزيز الجبهة الداخلية.
مخاوف من استفادة الجماعات المتشددة
يحذر خبراء في شؤون الساحل من أن التضييق على الجمعيات والرموز الإسلامية المعتدلة قد يمنح الجماعات الجهادية فرصة دعائية ثمينة.
فجماعات مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” وتنظيم الدولة في الساحل تعتمد في خطابها على سردية المظلومية، وتستثمر أي صدام بين الدولة والرموز الدينية لتصوير السلطة على أنها تستهدف الإسلام ومؤسساته.
ولا تحتاج هذه الجماعات إلى كسب العلماء أو المؤسسات الدينية إلى صفها مباشرة، بل يكفيها استغلال الغضب والاحتقان بين الشباب المتدين لتوسيع دائرة التعاطف مع خطابها.
كما أن تعليق أنشطة الجمعيات الإسلامية الشبابية والخيرية قد يترك فراغاً في التأطير الاجتماعي والديني، وهو فراغ تستطيع الجماعات المتشددة استغلاله داخل المجتمعات المحلية الهشة.
بين الأمن والمخاطر العكسية
تواجه بوركينا فاسو واحدة من أعقد الأزمات الأمنية في غرب أفريقيا، حيث تسيطر الجماعات المسلحة أو تؤثر في مساحات واسعة من البلاد، بينما يعيش ملايين السكان تحت ضغط النزوح والخوف وانهيار الخدمات.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن توسيع القبضة الأمنية لتشمل المؤسسات الدينية قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يُدار بحذر شديد.
فالحرب ضد الجماعات المسلحة لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى الحفاظ على الثقة بين الدولة والمجتمع، وخصوصاً مع المرجعيات الدينية والاجتماعية التي تملك قدرة حقيقية على احتواء الشباب ومنع استقطابهم من قبل الجماعات المتطرفة.
خاتمة
تكشف الأزمة الحالية في بوركينا فاسو عن معادلة دقيقة بين متطلبات الأمن وخطورة توسيع دائرة الخصومة الداخلية.
فبينما تسعى السلطات العسكرية إلى منع أي تعبئة قد تهدد استقرارها، فإن استهداف الجمعيات الإسلامية والرموز الدينية واستخدام التجنيد القسري ضد المحتجين قد يفتح أبواباً جديدة للغضب والتطرف.
وفي بلد يخوض حرباً طويلة ضد جماعات مسلحة شديدة التنظيم، قد يكون الحفاظ على الجسور مع المجتمع الديني المعتدل عاملاً لا يقل أهمية عن العمليات العسكرية في الميدان.





