تدهور الوضع الأمني في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية بشكل حاد عقب موجة جديدة من الهجمات الدامية في إقليم إيتوري، حيث تؤدي الاشتباكات المتصاعدة بين المجموعات المسلحة ذات الطابع العرقي والجماعات المتمردة والقوات الحكومية إلى تعميق واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في وسط إفريقيا. وبحسب تقارير صادرة عن بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في البلاد ومنظمات إنسانية ومسؤولين أمنيين، قُتل ما بين تسعة وستين وسبعين شخصًا خلال أعمال عنف انتقامية وقعت في أواخر أبريل، وكان من بين الضحايا مدنيون ومسلحون وعناصر من القوات الحكومية.
وأشار مسؤولون أمنيون إلى أن ما لا يقل عن تسعة عشر من القتلى كانوا من عناصر مسلحة وجنود، في حين شكّل المدنيون الغالبية العظمى من الضحايا الذين سقطوا في هجمات مرتبطة بتصاعد التوترات العرقية بين جماعات مسلحة تنشط في الإقليم.
وأدى تدهور الوضع الأمني إلى إعاقة كبيرة لعمليات الإنقاذ وانتشال الجثث، إذ لم يتم حتى التاسع من مايو دفن سوى خمسة وعشرين جثمانًا، بسبب استمرار أعمال العنف التي منعت فرق الإغاثة والسلطات المحلية من الوصول إلى عدة مناطق متضررة.
وأكدت بعثة الأمم المتحدة أنها تمكنت في الثلاثين من أبريل من إنقاذ نحو مئتي مدني كانوا محاصرين خلال القتال، بعد هجوم شنته جماعة مسلحة على مواقع تابعة للقوات الحكومية، وهو ما يعكس تزايد حالة عدم الاستقرار في منطقة تعاني أصلًا من تداخل النزاعات والعنف المجتمعي.
وتحذر المنظمات الإنسانية من أن موجة العنف الجديدة تزيد من تفاقم أزمة النزوح في شرق البلاد، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من تسعمئة وعشرين ألف شخص نازحون داخل إقليم إيتوري وحده، في حين أُجبر أكثر من مئة ألف شخص إضافي على الفرار خلال الأشهر الأولى من عام 2026.
كما أفادت تقارير أممية بمقتل أكثر من ألف مدني في إيتوري وإقليم مجاور منذ منتصف عام 2025، ما يعكس استمرار حدة العنف في شرق البلاد. وتزداد المخاطر التي يواجهها العاملون في المجال الإنساني، حيث قُتل عدد منهم خلال العام الماضي، فيما سقط ضحايا جدد هذا العام.
وتشير منظمات الإغاثة إلى أن تدهور الأمن وصعوبة الوصول إلى المناطق النائية وتضرر طرق النقل يحد بشكل كبير من إيصال المساعدات الغذائية والطبية والمأوى للنازحين.
ويغذي العنف في إيتوري شبكة معقدة من الجماعات المسلحة التي تتنافس على السيطرة على الأراضي والنفوذ السياسي والوصول إلى الموارد الطبيعية الغنية. ومن بين أبرز هذه الجماعات ميليشيا مرتبطة بإحدى المجموعات العرقية، والتي تقول إنها تدافع عن مصالح مجتمعها، لكنها متهمة بارتكاب أعمال قتل واسعة بحق مدنيين ومجتمعات منافسة.
كما عادت جماعة مسلحة أخرى مرتبطة بمجموعة عرقية مختلفة إلى الظهور كلاعب رئيسي في الإقليم، وهي مرتبطة بقيادات سابقة أُطلق سراحها بعد قضاء عقوبات سابقة.
وفي الوقت ذاته، تواصل جماعة مسلحة متشددة نشاطها مستفيدة من الفراغات الأمنية، حيث تشير تقارير إلى مسؤوليتها عن مقتل مئات المدنيين خلال الأشهر الأولى من عام 2026.
ورغم أن تمردًا آخر يتركز في إقليم مجاور، فإن المحللين يرون أن استمراره يضع ضغطًا كبيرًا على قدرات القوات الحكومية ويضعف قدرتها على استقرار الأقاليم المجاورة.
وأعربت منظمات حقوقية دولية عن قلق متزايد بشأن الاستراتيجية الأمنية للحكومة، مشيرة إلى أن الاعتماد على جماعات مسلحة محلية ساهم في تفاقم العنف والانتهاكات.
وتؤكد بعثة الأمم المتحدة أن الحل العسكري وحده لن يكون كافيًا، إذ ترتبط جذور النزاع بخلافات طويلة حول الأراضي والتنافس بين المجموعات العرقية والصراع على الموارد الطبيعية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار العنف دون حلول سياسية وإجراءات لحماية المدنيين وتحسين وصول المساعدات قد يؤدي إلى اتساع نطاق الأزمة وزعزعة الاستقرار في مناطق أوسع من شرق البلاد.





