في خطوة غير مسبوقة تكشف عمق التحول في سياسات الهجرة، أعلنت الحكومة السويدية عن رفع بدل العودة الطوعية إلى 350 ألف كرونة سويدية للفرد، أي ما يعادل نحو 34 ألف دولار أمريكي، فيما حُدد سقف العائلة بـ 600 ألف كرونة. القرار الذي سيدخل حيز التنفيذ الكامل عام 2026 أثار جدلاً واسعاً، واعتُبر من أكثر القرارات إثارة للانقسام في التاريخ السياسي الحديث للبلاد.
من الاندماج إلى “الخروج المنظّم”
تقول الحكومة إن الهدف هو تشجيع المهاجرين غير المندمجين أو غير الراغبين بالبقاء في السويد على العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية.
لكن اللافت في القرار أنه يوسّع نطاق المستفيدين بشكل غير مسبوق ليشمل:
- من انتهت صلاحية إقامتهم أو صدر بحقهم قرار ترحيل.
- الحاصلين على تصاريح إقامة مؤقتة أو دائمة.
- المهاجرين القادمين عبر لمّ الشمل العائلي.
- ولأول مرة، حتى حاملي الجنسية السويدية الذين يتنازلون عنها مقابل المغادرة النهائية.
ويشترط القرار أن تكون وجهة العودة خارج الاتحاد الأوروبي والنرويج وأيسلندا وسويسرا وليختنشتاين، وأن يتخلى المستفيد نهائياً عن إقامته أو جنسيته السويدية.
يُصرف المبلغ على ثلاث دفعات: الأولى (20%) عند صدور القرار، الثانية عند الوصول إلى بلد العودة، والأخيرة بعد سحب الإقامة رسمياً.
الدوافع السياسية: أجندة اليمين تتحول إلى واقع
يمثل القرار انتصاراً لحزب “ديمقراطيي السويد” (SD) اليميني المتشدد، الذي دعم حكومة المحافظين مقابل تبني سياسات أكثر صرامة تجاه الهجرة.
ويصف مؤيدوه الخطة بأنها “حل عملي لتخفيف العبء المالي والاجتماعي” على الدولة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الرعاية والبطالة في أوساط المهاجرين.
في المقابل، ترى المعارضة أن الحكومة تدفع الناس لمغادرة بلدهم الثاني بدلاً من مساعدتهم على الاندماج، واصفة القرار بأنه “شراء للانسحاب من المجتمع السويدي”.
الكلفة الاقتصادية والنتائج المحدودة
بحسب تحقيق حكومي سابق، فإن رفع المبلغ بهذا الشكل لن يؤدي إلى زيادة كبيرة في عدد المغادرين، إذ من المتوقع أن يستفيد نحو 700 شخص فقط سنوياً.
لكن الكلفة الإجمالية قد تتجاوز عدة مليارات من الكرونات سنوياً، في حال توسعت الفئة المستفيدة.
وحذرت دراسات من أن العرض المالي المغري قد يدفع فئات فقيرة إلى مغادرة البلاد دون خطة واقعية، مما قد يخلق أزمات إنسانية جديدة في بلدان العودة.
انقسام مجتمعي عميق
من الناحية الاجتماعية، يرى باحثون أن القرار يكرّس فجوة جديدة بين السويديين والمهاجرين، ويحوّل الاندماج من التزام مشترك إلى خيار مادي مشروط.
كما قد يؤدي إلى تراجع الثقة بين المهاجرين والدولة، ويدفع بعضهم إلى الانغلاق داخل مجتمعاتهم خوفاً من الإقصاء.
خلاصة تحليلية
تحاول السويد من خلال هذا القرار إعادة رسم حدود سياستها الإنسانية التي كانت يوماً ما نموذجاً عالمياً في استقبال اللاجئين.
لكن في سعيها لتحقيق “الواقعية السياسية”، يبدو أنها تخاطر بخسارة جزء من صورتها الأخلاقية التي ميّزتها لعقود.
وبين من يراه حلاً شجاعاً لأزمة الهوية السويدية، ومن يراه تراجعاً عن إرث التضامن الإنساني، يبقى القرار علامة فارقة في تاريخ السويد الحديث:
دولة تدفع المال لمن يرحل… بعدما كانت تدفع الثمن لمن يأتي.





