في خضم الدمار البشري والمادي الذي خلفته الحرب المستعرة في السودان منذ أبريل 2023 تنشأ صامتةً واحدة من أخطر الكوارث البيئية التي ستلاحق البلاد لعقود قادمة وهي الكارثة الخضراء حيث تتهاوى آلاف الأشجار بما فيها تلك النادرة والمعمّرة تحت ضربات الفأس بحثًا عن وقود للبقاء على قيد الحياة.
*خسائر كارثية
تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن السودان الذي تبلغ مساحة غاباته حوالي 18.7 مليون هكتار (ما يعادل 10% من مساحته الإجمالية) يخسر نحو 175 ألف هكتار من هذه الغابات سنويًا، مما يضعه ضمن أسوأ عشر دول في العالم من حيث فقدان الغطاء الشجري
وكشف التقرير عن فقدان البلاد نحو 60% من غاباتها خلال العقود الثلاثة الماضية فقط، وهو تراجع كارثي يهدد بتناقص حاد في التنوع البيولوجي، وتسارع معدلات التصحر وتدهور التربة بشكل قد يكون لا رجعة فيه. وفقد السودان بين عامي 1990 و2005 وحدهما حوالي 8.8 مليون هكتار.
- الحرب.. العامل المسرع للانهيار
إذا كانت الجهود البيئية في الماضي تنادي بعدم قطع الأشجار محذرة من الجفاف والتصحر فقد قلب مشهد الحرب كل المعادلات. فمع اندلاع القتال في 15 أبريل 2023، وانهيار سلاسل الإمداد، توقفت مصفاة الجيلي التي كانت تنتج 50% من غاز الطهي، وشحّ الغاز وتوقف التيار الكهربائي لفترات طويلة، ليجد السكان أنفسهم في مواجهة معضلة البقاء.
دفع هذا المواطنين إلى “العودة للاحتطاب البدائي كما يقول أحد سكان ولاية الجزيرة حيث فقدت الولاية وحدها ما لا يقل عن 6,126 هكتارًا من غطائها الطبيعي منذ بداية الصراع وأوضح مواطنون أن “ارتفاع أسعار الفحم إلى خمسة أضعافه دفعهم إلى اللجوء لقطع المزيد من الأشجار - غابة السنط.. نموذج مصغر للكارثة
وبحسب خبراء غابات ان غابة السنط في وسط العاصمة الخرطوم رمزًا لهذا الانهيار. هذه الغابة التي كانت يوماً ما رئة الخرطوم، تواجه أسوأ موجات التعدي حيث يجري قطع أشجارها المئوية بشكل مفرط لتتحول إلى حطب وفحم وسط غياب تام لأجهزة الدولة وتقارير عن تواطؤ جهات عسكرية ومدنية في تهريب هذه الموارد إلى دول الجوار. - التهريب يزيد الأزمة تعقيدًا..اقتصاد الظل
لم تعد الأزمة محصورة في الاستخدام المحلي. ففي ولايات مثل جنوب دارفور، يتم تهريب كميات كبيرة من الفحم النباتي إلى دولتي تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى عبر طرق جديدة، مما يؤطر لاقتصاد ظل غير مرئي يرفع الأسعار محليًا ويضاعف الضغوط على الغطاء النباتي. وأكدت إفادات ميدانية ضلوع عناصر من قوات الدعم السريع، التي تسيطر على مناطق غنية بالموارد الغابية، في هذه التجارة المربحة. - من المطبخ إلى المخبز
و تقول أسماء فضل الله، من سكان أم درمان “الغاز اختفى تمامًا من السوق، وتوقف التيار الكهربائي جعل جوال الفحم يرتفع من 10 آلاف إلى 70 ألف جنيه وتُرجِع السبب الرئيسي لهذا الغلاء إلى تصدير كميات كبيرة إلى دول الجوار الي جانب تأثر مصفاة الجيلي ساهم في انعدام غاز الطبخ
وقال موسي الزين صاحب مخبز ان معظم المخابز العاملة في الخرطوم أصبح الحطب هو الوقود الوحيد وإن عدم توفر الغاز والكهرباء جعلنا نتجه إلى شراء الحطب و ارتفاع أسعار الوقود أجبرنا على زيادة أسعار الخبز
*تداعيات طويلة المدى
من جانبها حذرت المهندسة يسرا أحمد من انعكاسات بيئية خطيرة لهذا التدهور ، أبرزها “تفكك التربة وارتفاع درجات الحرارة”. وأكدت أن “هذا التعدي أحدث آثاراً يصعب معالجتها في المدى القريب”، مشيرة إلى أن معظم الغابات والمحميات في السودان تعرضت لعمليات قطع جائر.
و كشف المهندس الزراعي غسان الطيب عن مؤشر صادم، إذ فقدت الخرطوم والجزيرة وحدها نحو 67% من غاباتها الطبيعية خلال عامين فقط من الحرب، محذرًا من تحول المساحات الخضراء إلى أرض قاحلة معرضة للتصحر.
- إرث طبيعي واقتصادي يُباد
لا تقتصر المأساة على الخسائر البيئية بحسب غسان بل تمتد إلى فقدان إرث طبيعي وتراثي واقتصادي فكثير من الأشجار المقطوعة كانت معمرة ونادرة، وضاربة في عمق الذاكرة الجمعية للمجتمعات المحلية. كما تدهور قطاع الصمغ العربي، وهو أحد أهم الصادرات السودانية، وتدهورت معه صادرات المنتجات الغابية من ثمار ونباتات طبية وزيتية، مما أثر تأثيرًا كبيرًا على الحياة والإنتاج الحيواني. - غياب الدولة
واوضح أنور عبد الحميد الحاج، مدير الهيئة القومية للغابات سابقًا إن توقف سبل كسب العيش دفع السكان للاعتماد المباشر على الموارد الطبيعية، مع غياب الحماية ونزوح موظفي الهيئة وتوقف مرتباتهم
من جانبه طالب المهندس الزراعي سليمان عبد الله بضرورة تمكين الهيئة كمؤسسة مستقلة وتفعيل قانون الغابات ومنع الشاحنات من نقل منتجات الغابات إضافة إلى إيجاد بدائل عاجلة للطاقة وتدريب المجتمع المحلي عليها وإطلاق برامج وطنية عاجلة لإعادة التشجير تتكامل مع الدعم الدولي.
اذا لم يعد تراجع الغطاء الشجري في السودان مجرد رقم إحصائي، بل هو تحول مأساوي في نمط العيش ونظام بيئي واقتصادي بأكمله تنهار الأشجار التي استغرقت مئات السنين لتنمو لتُقطع في دقائق لطهي وجبة أو بيع كيس فحم، في مشهد يلخص كيف أن الحرب لا تدمر الحاضر فحسب بل تقتل المستقبل وتُميت الأرض التي سيعيش عليها من ينجو.
بقلم سحر عبد الله





