في إعلان وصف بالتاريخي، أكدت إثيوبيا اكتمال بناء وتعبئة سد النهضة بعد أكثر من 14 عاما من العمل، معلنة عن تنظيم احتفال وطني ضخم يليق بما تعتبره “إنجاز القرن”.
لكن خلف مشهد الفرح في أديس أبابا، يسود قلق بالغ في القاهرة والخرطوم، حيث ينظر إلى السد على أنه تهديد مباشر للأمن المائي القائم على نهر النيل منذ عقود.
ويمثل السد اليوم مفترق طرق، إما أن يكون منصة لتعاون إقليمي في مجال الطاقة والمياه، أو أن يتحول إلى بؤرة صراع طويل الأمد قد يعيد رسم خريطة الاستقرار في شرق إفريقيا.
خلفية تاريخية
بدأت إثيوبيا مشروع السد عام 2011 على النيل الأزرق قرب الحدود السودانية.
ومنذ البداية، اعترضت مصر والسودان لغياب اتفاق قانوني يضمن حقوقهما المائية.
وجولات التفاوض تعثرت، رغم وساطات الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
بدوره، مجلس الأمن ناقش الملف في أكثر من مرة دون نتائج حاسمة، مكتفيا بدعوات للعودة إلى الحوار.
الحسابات المائية
مصر.. تعتمد على نهر النيل لتأمين نحو 97% من احتياجاتها المائية، بحصة سنوية 55.5 مليار م³ (اتفاق 1959).
السودان.. حصته 18.5 مليار م³، ويعتمد أيضا على النيل الأزرق لري أراضيه وتشغيل سدوده.
إثيوبيا.. رغم أنها مصدر أكثر من 80% من مياه النيل الأزرق، فإنها لم تكن تتمتع بحصة مائية رسمية.
تأثير السد.. تنظيم تدفق المياه على مدار العام، توليد كهرباء تصل إلى 6000 ميغاواط، وهو ما يعادل ضعف إنتاج السد العالي في مصر تقريبا.
مواقف الدول
إثيوبيا.. ترى أن السد مشروع سيادي وتنموي ضخم سيوفر الكهرباء لملايين المواطنين ويتيح تصدير الطاقة لدول الجوار، وتؤكد أنه لن يضر بدول المصب بل سينظم تدفق المياه.
مصر.. تعتبر السد “تهديدا وجوديا” قد يقلص حصتها التاريخية من المياه، وتصر على ضرورة وجود اتفاق قانوني ملزم يحدد آليات التشغيل والتعبئة.
السودان.. يتأرجح موقفه بين الترحيب بفوائد السد (تنظيم الفيضانات، تقليل الطمي، كهرباء أرخص) والتحذير من مخاطره في حال غياب تنسيق فني، خاصة على سد الروصيرص.
السيناريوهات المستقبلية
استمرار الوضع دون اتفاق.. سيؤدي إلى زيادة الشكوك والتوترات السياسية، ويرفع احتمالية وقوع أزمات مائية مفاجئة خاصة في أوقات الجفاف.
العودة إلى طاولة المفاوضات.. الخيار الأكثر واقعية لتفادي التصعيد، ويمكن أن يتم برعاية الاتحاد الإفريقي، أو عبر وسطاء جدد (مثل قطر أو الأمم المتحدة).
التصعيد الإقليمي أو تدويل الملف.. قد تلجأ مصر إلى تحركات سياسية أو قانونية أوسع، واحتمال ضغط دولي متزايد على إثيوبيا لتقديم ضمانات واضحة.
فسد النهضة أصبح واقعا جغرافيا وسياسيا لا يمكن تجاهله، والتحدي أمام دول حوض النيل اليوم هو كيفية تحويله من مصدر نزاع إلى منصة تعاون.
ونجاح هذه المهمة يتوقف على إرادة الأطراف الثلاثة (إثيوبيا – مصر – السودان) في إيجاد صيغة قانونية ودبلوماسية تضمن حقوق الجميع وتمنع انزلاق المنطقة إلى صراع مفتوح.





