في تطور يعكس تصاعد التوتر بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي بشأن سياسات الطاقة والاستدامة، وجهت دولة قطر تحذيرا رسميا للحكومة البلجيكية، ملوحة بإمكانية وقف صادراتها من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، على خلفية قانون جديد تبناه التكتل يتعلق بالاستدامة وحقوق الإنسان في سلاسل التوريد العالمية.
القانون الأوروبي محور الخلاف
والحديث يدور حول التوجيه الأوروبي المعروف باسم “قانون العناية الواجبة لاستدامة الشركات” (CSDDD)، الذي يفرض على الشركات الكبرى العاملة داخل الاتحاد الأوروبي التحقق من مدى احترام حقوق الإنسان والمعايير البيئية في جميع مراحل سلاسل التوريد الخاصة بها، سواء داخل الاتحاد أو خارجه.
وبحسب فقرات القانون، فإن الشركات التي تثبت إدارتها لعلاقات تجارية مع جهات متورطة في انتهاكات، أو غير ملتزمة بسياسات المناخ، قد تتعرض لغرامات تصل إلى 5% من حجم مبيعاتها العالمية.
الرسالة القطرية وتحذير صريح
وفي رسالة رسمية مسربة نشرتها صحيفة “فيلت أم زونتاغ” الألمانية وأكدتها وكالة “رويترز”، أعرب وزير الطاقة القطري سعد الكعبي عن رفض بلاده لعدد من بنود القانون، معتبرا أنها “تتعارض مع السيادة الاقتصادية للدول المصدرة” وتفرض “قيودا مفرطة وغير واقعية على شركاء تجاريين موثوقين”.
وجاء في نص الرسالة أن القانون قد يدفع قطر إلى “إعادة تقييم علاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي” و”إعادة توجيه صادرات الغاز إلى أسواق بديلة أكثر استقرارا واحتراما لمبادئ الشراكة”.
أوروبا في موقف حساس
وتشير البيانات إلى أن قطر تعد من أبرز مزودي الغاز المسال لأوروبا، خصوصا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا وتراجع الاعتماد على الغاز الروسي.
وبلغت حصة قطر من واردات الغاز الأوروبي خلال العامين الماضيين ما بين 12% إلى 14%، وفقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية.
وبالتالي، فإن أي خطوة من الدوحة لخفض أو وقف الإمدادات قد تعيد إشعال أزمة الطاقة في أوروبا، خصوصا مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع الطلب على الغاز.
ردود الفعل الأوروبية
ورغم تحفظ المفوضية الأوروبية على التعليق المباشر، أكدت مصادر رسمية أن الاتحاد الأوروبي لا يزال منفتحا على الحوار مع شركائه، وأن العمل جارٍ لتعديل صيغة القانون لتكون “عملية وقابلة للتطبيق دون التأثير على العلاقات التجارية الاستراتيجية”.
من جهتها، امتنعت الحكومة البلجيكية عن تأكيد أو نفي فحوى الرسالة، مكتفية بالقول إن “الاتصالات الدبلوماسية تبقى سرية ولا يمكن التعليق عليها علنًا”.
أزمة قيم أم صراع مصالح؟
ويرى مراقبون أن هذه الأزمة تعكس صراعا متناميا بين قيم الاستدامة الأوروبية ومصالح الطاقة الخليجية، ففي حين تسعى بروكسل إلى ترسيخ نموذج اقتصادي أكثر التزاما بالمناخ وحقوق الإنسان، تخشى دول مصدرة للغاز كقطر من أن تتحول هذه القوانين إلى أداة للضغط السياسي والاقتصادي.
ونقلت تقارير صحفية عن مسؤولين قطريين وصفهم لسياسة الاتحاد الأوروبي بأنها “تميل إلى فرض نموذجها الأخلاقي على شركاء لا يشاركونها نفس الرؤية السياسية أو التنموية”.
ومع استمرار المفاوضات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن تطبيق قانون الاستدامة، ومع تواتر الرسائل التحذيرية من الدوحة، تبقى العلاقات الأوروبية القطرية أمام اختبار حقيقي، إما شراكة قائمة على التفاهم والمصالح المتبادلة أو تصعيد قد يعيد رسم خارطة الطاقة العالمية.





