تأتي تصريحات موريتانيا الأخيرة حول استعدادها للتوسط بين الجزائر ومالي في سياق متصاعد من التوترات الإقليمية، خصوصاً مع تعقّد الأزمة الأمنية في الساحل وانعكاساتها الجيوسياسية. وفي الواقع، فإن موريتانيا تبرز كطرف فريد قد يكون الأكثر قدرة – وربما الوحيد – على لعب هذا الدور الوسيط بين الجارتين، نظراً لعلاقاتها المتوازنة مع كليهما، وسمعتها كدولة مستقرة، وخبرتها السابقة في إدارة الملفات الإقليمية الحساسة كرئاسة الاتحاد الأفريقي مؤخرا ودورها في حفظ السلام في إفريقيا الوسطى.
وقد سبق لموريتانيا أن أثبتت كفاءتها في هذا المجال عندما لعبت دوراً محورياً في الوساطة لوقف إطلاق النار بين الحكومة المالية والحركات الأزوادية في كيدال عام 2014. ورغم أن الظرف السياسي آنذاك كان مختلفاً – حيث كانت موريتانيا تحت حكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز، بينما كانت مالي تحت حكم مدني – إلا أن الدولة وأجهزتها تبقى نفسها، فالدولة الموريتانية وأجهزتها الدبلوماسية قادرة على التكيّف مع مختلف السيناريوهات في محيطها غير المستقر، مالي من جهة وقضية الصحراء الغربية من جهة أخرى.
اليوم، تعيد موريتانيا توظيف هذه الخبرة، مستفيدةً من نهجها الدبلوماسي المتوازن ومن موقعها الجيوسياسي الفريد. فمن جهة، تتمتع بعلاقات استراتيجية مع الجزائر، ومن جهة أخرى تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع السلطات في باماكو، بما في ذلك في ظل الحكم العسكري الحالي.
كما أن موريتانيا تدرك جيداً أن الأمن في الساحل أصبح تكاملياً، وهو ما يعزز حاجتها للعب دور وسيط استباقي، حتى قبل أن يطلب منها الأطراف ذلك رسمياً.
ختاماً، ورغم التحديات الكبيرة التي تفرضها تعقيدات الأزمة الحالية، تبقى موريتانيا مؤهلةً أكثر من غيرها لقيادة أي مسار وساطة ناجح بين الجزائر ومالي. فإلى جانب خبرتها التاريخية، تمتلك نواكشوط المصداقية والحياد اللازمين، كما أن سجلها الدبلوماسي في المنطقة يعزز ثقة الأطراف الدولية والإقليمية فيها. وهذا ما أكدته بشكل متكرر في خطاباتها الإعلامية والسياسية السابقة، والتي كانت تلمّح دوماً إلى هذا الدور المحتمل.
حسين أغ عيسى لنصاري





