Connect with us

Hi, what are you looking for?

غرب إفريقيا والساحل

الجزائر ومالي: حين تنتصر الجغرافيا على القطيعة

من قطيعة دامت 14 شهراً إلى زيارة تاريخية مرتقبة.. كيف أعاد البلدان بناء جسورهما؟

على امتداد أكثر من 1300 كيلومتر من الحدود المشتركة، ظلت العلاقات الجزائرية-المالية لسنوات نموذجاً للجوار الملتبس بين إرث تاريخي متشابك ومصالح أمنية متقاطعة. لكن ما شهدته هاتان الجارتان خلال العامين الماضيين لم يكن مجرد خلاف عابر في مسار طويل من التعاون، بل كان انزياحاً خطيراً هدد بتحويل شريكين استراتيجيين إلى خصمين لدودين. واليوم، تعود بوصلة العلاقات إلى اتجاهها الطبيعي، بحذر يليق بجروح لم تندمل تماماً، وبأمل تحمله زيارة رسمية مرتقبة للرئيس الانتقالي المالي أسيمي غويتا إلى الجزائر.

لم تكن القطيعة التي بلغت ذروتها في أفريل 2025 وليدة لحظة عابرة، بل كانت تتويجاً لمسار تصعيدي بدأ قبل ذلك بأشهر. فقرار السلطات المالية إنهاء العمل بـ”اتفاق السلام والمصالحة” المنبثق عن مسار الجزائر والموقع في الجزائر العاصمة سنة 2015، شكّل ضربة قاسية لمسار سياسي رعته الجزائر لسنوات، واعتُبر في الأوساط الدبلوماسية الجزائرية تراجعاً عن التزامات قطعتها باماكو على نفسها، وهدرا لجهود سنوات.

لكن الشرارة التي حولت الخلاف إلى أزمة مفتوحة كانت حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية اخترقت المجال الجوي الجزائري في أفريل 2025، تلتها إجراءات تصعيدية متبادلة شملت استدعاء السفراء وإغلاق المجال الجوي من الطرفين، لتتحول العلاقات بين البلدين إلى واحدة من أشد فترات البرود الدبلوماسي في تاريخ المنطقة.

واللافت في هذه الأزمة أنها لم تكن محصورة في الأروقة الدبلوماسية، بل تجاوزتها إلى المنابر الدولية والخطاب السياسي العلني. كان عبد الله مايغا نفسه، بصفته وزيراً للداخلية ومتحدثا باسم الحكومة آنذاك، أحد أبرز من وجهوا انتقادات حادة للجزائر، قبل أن ينشد مقطعا من النشيد الوطني الجزائري “قسما” ويصبح اليوم، بصفته رئيساً للحكومة، حامل رسالة المصالحة إلى قصر الرئاسة في الجزائر العاصمة.

إشارات الانفراج: براغماتية أم ضرورة؟

في العاشر من جويلية 2026، أعلنت الجزائر ومالي بشكل منفصل إعادة سفيريهما إلى منصبيهما وفتح مجاليهما الجويين أمام الرحلات بين البلدين، وجاء في بيان الحكومة المالية أن القرار يأتي “في إطار إعادة تنشيط علاقات التعاون والصداقة بين مالي والجزائر”، فيما أكدت وزارة الخارجية الجزائرية أن الرئيس السيد عبد المجيد تبون أمر بعودة السفير “حرصاً على إعادة العلاقات الجزائرية-المالية إلى منحاها التاريخي والطبيعي”.

لكن خلف العبارات الدبلوماسية المجاملة، كانت هناك حسابات أكثر عمقاً. فالجزائر، التي أبقت لهجة خطابها السياسي مفتوحة على أي تفاعل إيجابي من باماكو طوال فترة الأزمة، لم تستغل الوضع الأمني الدرامي الذي عاشته مالي. هذا الموقف، بعث برسائل طمأنة إلى السلطات المالية بأن الجزائر ليست لديها أي نية لزعزعة استقرار البلاد، وأن خلافاتها مع باماكو لا تصل إلى حد تهديد أمن الجار.

في المقابل، كانت مالي تدرك أن استمرار الخلاف مع دولة محورية مثل الجزائر يمكن أن يسرع في منحى الانزلاق السياسي والأمني. فالهزات الأمنية التي تعرضت لها البلاد، سواء في العاصمة باماكو أو في المناطق الشمالية (أزواد)، دفعت السلطات إلى مراجعة مواقفها. فاستمرار الجفاء مع جارة تمتلك حدوداً مشتركة تفوق 1300 كيلومتر مخالف لحتميات الجغرافيا السياسية.

وكان لافتاً في هذا السياق أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حرص على التأكيد بأن الرئيس الانتقالي الجنرال أسيمي غويتا لم يصدر عنه خطاب مسيء تجاه الجزائر، في إشارة إلى رغبة جزائرية في إعادة ضبط العلاقة على أساس الاحترام المتبادل وليس منطق التبعية.

زيارة مايغا: دبلوماسية الرسائل المتبادلة

في صباح الرابع والعشرين من أوت 2026، حطّت طائرة الوزير الأول المالي عبد الله مايغا في مطار هواري بومدين الدولي بالجزائر العاصمة، في زيارة عمل على رأس وفد رفيع المستوى، ضم وزير الخارجية ومدير جهاز المخابرات. كان في استقباله نظيره الجزائري سيفي غريب، مرفوقاً بوزير الدولة وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، ووزير الطاقة مراد عجال، استقبال يوحي بمكانة الزيارة وأبعادها الاستراتيجية.

لكن المحطة الأهم كانت في قصر الرئاسة، حيث استقبل الرئيس عبد المجيد تبون رئيسَ الحكومة المالية، الذي كان يحمل رسالة خطية من الرئيس الانتقالي أسيمي غويتا، عبر فيها عن شكره للدعوة التي وجهها إليه الرئيس تبون للقيام بزيارة رسمية إلى الجزائر، معتبراً إياها “علامة على المودة والتقدير تجاه شخصه، وكذلك تجاه الشعب المالي الشقيق”.

وفي تطور دبلوماسي بالغ الأهمية، أعلن مايغا أن غويتا “أعرب عن موافقته للقيام بزيارة رسمية إلى الجزائر”، على أن يتم تحديد موعدها لاحقاً عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة. هذه الزيارة المرتقبة، إذا تمت، ستكون تتويجاً لمسار المصالحة وتأكيداً على إرادة البلدين في بناء علاقات متينة على أعلى المستويات.

لم تكن تصريحات مايغا مجرد مجاملات بروتوكولية، بل حملت رسائل سياسية عميقة، فقد أكد أن “الجزائر ومالي تتقاسمان في الوقت نفسه الجغرافيا”، مستشهداً بتصريح للرئيس تبون بأنه “لا يمكننا أن نغير واقعنا الجغرافي أو أن نرحل بعيداً”. هذه العبارات تلخص الفلسفة الجديدة للعلاقات بين البلدين: القبول بالجغرافيا كحتمية لا يمكن الهروب منها، والتعامل معها كأساس للتعاون وليس كمصدر للتوتر.

ولم يتردد مايغا في استحضار التاريخ المشترك، معتبراً أنه “يشكل رصيداً ومنطلقاً للانخراط في مسيرة الحداثة والتقدم”.

خلف الكواليس: حسابات الطرفين

خلف هذا التقارب الظاهر، تتحرك حسابات معقدة. فمن المنظور الجزائري، لم يكن الانفتاح على مالي خياراً تكتيكياً، بل استراتيجياً. فالجزائر، التي عملت خلال فترة الأزمة على تعزيز علاقاتها مع دول الجوار الأخرى — وفي مقدمتها النيجر التي شهدت زيارة رئيسها عبد الرحمن تياني إلى الجزائر — كانت ترسل رسائل غير مباشرة إلى باماكو بأن خياراتها الدبلوماسية مفتوحة، وأن العزلة ليست في مصلحة أحد.

كما أن استعادة العلاقات مع مالي تندرج ضمن رغبة الجزائر في إعادة ضبط نفوذها في منطقة الساحل، في ظل مخاوف من أن يسهّل الفراغ الدبلوماسي توسع قوى إقليمية أو دولية أخرى. فمنطقة الساحل أصبحت في السنوات الأخيرة ساحة تنافس إقليمي ودولي متزايد، والجزائر كقوة إقليمية لا تريد أن تكون غائبة عن مكانها التاريخي والجيوغرافي.

من المنظور المالي، كانت العودة إلى الجزائر ضرورة أمنية وجغرافية قبل أن تكون خياراً سياسياً، فمالي، التي تواجه تحديات أمنية هائلة، لا يمكنها تحمل عداء مع جارتها الشمالية التي تمتد حدودها المشتركة على أكثر من 1300 كيلومتر، تتحرك فيه حركات مسلحة، كما أن استمرار القطيعة كان يعني فقدان شريك استراتيجي في مجالات حيوية، من الطاقة والأمن إلى البنية التحتية.

آفاق المرحلة المقبلة..

تمثل الزيارة المرتقبة للرئيس أسيمي غويتا إلى الجزائر محطة سياسية فاصلة لتكريس المصالحة على أعلى مستوى. ومن المتوقع أن تتناول المحادثات ملفات أمنية واقتصادية حساسة، وعلى رأسها إعادة تفعيل التعاون في مجال المحروقات واستكمال مشروع الطريق العابر للصحراء الذي يعبر مالي.

لكن تجاوز القطيعة رسمياً لا يعني بالضرورة انتهاء جميع نقاط الخلاف، فالجزائر تطمح إلى استعادة دورها كوسيط فاعل في إقليم أزواد (شمال مالي)، بعد أكثر من عامين على إنهاء العمل باتفاق الجزائر للسلام. وهذا الطموح قد يصطدم بمواقف مالية لا تزال حذرة من أي دور جزائري مباشر في الشؤون الداخلية.
ولعلّ عبارة ميغا في خطابه بقصر المرادية: “أريد أن أذكر بموقف فخامة الرئيس عبد المجيد تبون، إذ أعتقد أنه جدد التأكيد على أن الجزائر لن تتدخل أبدا في الشؤون الداخلية لبلدنا”، لم تكن مجرد توضيح دبلوماسي، بل ربما رسالة موجهة إلى الداخل المالي، وتحديداً إلى منتقدي تحوّله الخطابي بعد مواجهته السابقة للجزائر في الأمم المتحدة. فالرجل شعبوي أراد أن يؤكد لأنصاره أنه لم يتنازل عن ثوابت السيادة الوطنية، وأن تقاربه مع الجزائر لا يعني قبوله بأي وصاية، بل هو تموضع تكتيكي تفرضه الجغرافيا والمصالح المشتركة.

بين هذا وذاك، يبقى ملف المصالحة في مالي والوساطة من أجل إنهاء الاقتتال بين حكومة باماكو والحركات الأزوادية أبرز الملفات التي قد تعرقل طي صفحة الخلاف نهائياً بين الجزائر ومالي. فالجزائر، التي رعت اتفاق 2015 لسنوات، ترى دائما أن الحل المستدام يكمن في العودة إلى روح ذلك الاتفاق وتفعيل بنوده، معتبرةً أن الحوار والسلم هما السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة في شمال مالي. في المقابل، ترى الحكومة المالية أن الوضع على الأرض تغيّر جذرياً، وتحاول حلحلة القضية بالخيار العسكري، وأن أي اتفاقات جديدة يجب أن تكون نابعة من الداخل وبرعاية الدولة المالية حصراً، دون وصاية خارجية مباشرة، وهو موقف يعكس حساسية بالغة تجاه أي دور جزائري يُفسَّر على أنه تدخل في الشأن الداخلي.

غير أن بوادر تقارب قد تلوح في الأفق عبر صيغة توافقية تجمع بين الموقفين: العودة إلى بنود اتفاق الجزائر كمرجعية أساسية، ولكن من خلال مفاوضات داخلية مالية بإشراف باماكو وبمساعدة جزائرية وأفريقية كضامن. هذه الصيغة قد تشكل أرضية وسطى تحفظ للجزائر دورها التاريخي كوسيط، وتستجيب في الوقت نفسه لمطلب باماكو بامتلاك زمام المبادرة في ملفّها الداخلي، وهو ما قد يمهّد الطريق أمام تسوية شاملة تعيد بناء الثقة بين الطرفين وتجعل من المصالحة الوطنية في مالي جسراً للتقارب الإقليمي بدلاً من أن تكون مصدراً للتنافر. وهذا طبعا قد يصطدم كذلك بإرادة جبهة تحرير أزواد التي تحمِّل حكومة غويتا كل ما حصل بانهائها للاتفاقيات والعهود و استعانتها بقوة أجنبية لفرض الأمور بالحرب.

ومع ذلك، فإن ما تحقق حتى الآن يشكل تحولاً كبيراً، فمن القطيعة التي دامت 14 شهراً، إلى إعادة السفراء وفتح المجال الجوي، إلى زيارة رئيس الحكومة، وصولاً إلى الزيارة الرئاسية المرتقبة، يبدو أن البلدين قد اختارا طريق الحوار على طريق التصعيد.

خاتمة: درس الجغرافيا

ثمة دروس مستفادة من هذه التجربة. أولها أن الجغرافيا حتمية لا يمكن الهروب منها، كما قال الرئيس تبون بحكمة. وثانيها أن الحوار، مهما طالت قطيعته، يظل الخيار الأكثر عقلانية في العلاقات بين الدول المتجاورة. وثالثها أن المصالح المشتركة، إذا أحسن الطرفان تحديدها، يمكن أن تتحول من مصدر للتنافس إلى أساس للتعاون.

تبقى الأسئلة مفتوحة حول مدى قدرة الطرفين على تجاوز جذور الخلاف العميقة رغم العوائق. لكن المؤكد أن الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة تشكل عوامل ضغط إيجابية تدفع باتجاه استدامة هذا المسار، وإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي. ففي نهاية المطاف، لم يكن بإمكان الجزائر ومالي أن تختارا جارتيهما، لكنهما تستطيعان اختيار كيفية العيش معاً.

حسين لنصاري

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like

الشرق الأوسط

لا يزال الحديث عن جماعة “الأحباش” الدينية في الأردن وتمددها وصعودها يثير العديد من التساؤلات عن حقيقة تلك الجماعة بين الفينة والأخرى، فمن هي...

غرب إفريقيا والساحل

كشفت جماعة نصرة الإسلام و المسلمين في مالي مقتل 70 مسلحا ممن وصفتهم بالخوارح، في إشارة إلى ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وذلك...

Uncategorized

مازالت ليبيا تعاني من حالة عدم استقرار سياسي وأمني مزمنة، في ظل تنافس واضح بين حكومات متنازعة وميليشيات مسلحة تدعمها قوى إقليمية ودولية مختلفة....

إفريقيا

أكد والي ولاية كيدال عن تنظيم جماعة نصرة الاسلام و المسلمين، سيدن أغ هيتا، المعروف حركيا باسم عثمان القيرواني، أن من أهم الأسباب التي...