قراءة مبتورة لحكم قضائي ومقاطع رائجة لمهاجرين يحتفلون بوصولهم غذّتا وهما بأن الحدود فُتحت وأن الترحيل ألغي، قبل أن تنتهي موجة العبور بمقتل أكثر من 80 شخصا
بدأت موجة العبور نحو مدينة سبتة الإسبانية بمحاولات محدودة نفذها عشرات الشبان، لكنها سرعان ما تحولت خلال أيام إلى تدفق غير مسبوق شارك فيه عشرات الآلاف، مدفوعين بمعلومات قانونية مبتورة ومقاطع مصورة مضللة انتشرت بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي.
وبحسب حصيلة رسمية نقلتها وكالة رويترز، دخل أكثر من 70 ألف شخص إلى سبتة بطريقة غير نظامية في 30 يوليو/تموز 2026، في حين لقي أكثر من 80 شخصا حتفهم غرقا أو نتيجة التدافع، في واحدة من أكثر موجات الهجرة المفاجئة دموية عند الحدود بين المغرب والمدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية.
ومع انحسار الموجة، عاد معظم المهاجرين بسبب الجوع والظروف القاسية، بينما ظل آلاف عالقين، لا سيما مهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء وقاصرين غير مصحوبين بذويهم، ممن يخضعون لإجراءات قانونية وضمانات حماية خاصة.
حكم قضائي يتحول إلى «حدود مفتوحة»
كانت إحدى أبرز شرارات الأزمة قراءة مضللة لحكم أصدرته الغرفة الثالثة للمنازعات الإدارية في المحكمة العليا الإسبانية في 29 يونيو/حزيران 2026، وأعلنه المجلس العام للسلطة القضائية في 8 يوليو/تموز من العام نفسه.
وقضت المحكمة بعدم جواز تطبيق آلية «الرفض عند الحدود»، المعروفة إعلاميا بـ«الإعادة الساخنة»، على المهاجرين الذين تعترضهم السلطات في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية.
واستند الحكم إلى أن النظام الاستثنائي المنصوص عليه في البند الإضافي العاشر من قانون الأجانب الإسباني ينطبق على من يُضبطون أثناء تجاوز «عناصر الاحتواء الحدودية»، مثل الأسوار، ولا يمتد تلقائيا إلى من يُعترضون في البحر، حيث لا توجد حواجز مادية مماثلة.
كما اعتبرت المحكمة أن وسائل المراقبة، مثل الكاميرات والطائرات المسيّرة، لا تؤدي قانونيا وظيفة الحاجز المادي الذي يتعين تجاوزه حتى يُطبَّق إجراء الرفض الفوري.
لكن هذه الخلاصة القانونية المعقدة اختُزلت على المنصات الرقمية في رسالة مضللة مفادها أن «إسبانيا ألغت الترحيل»، وأن كل من يصل إلى سبتة، بحرا أو برا، سيضمن البقاء فيها والانتقال لاحقا إلى أوروبا.
ما الذي يقوله الحكم فعليا؟
لا يمنح قرار المحكمة المهاجرين حق الإقامة التلقائية، ولا يلغي إعادتهم إلى بلد المنشأ أو البلد الذي قدموا منه. بل يحدد نوع الإجراء الواجب اتباعه بعد اعتراضهم.
وبدلا من إعادتهم فوريا ومن دون إجراء إداري فردي، يتعين على السلطات فتح «إجراء إعادة عادي» استنادا إلى المادة 58.3 من القانون الأساسي الإسباني رقم 4 لسنة 2000 بشأن حقوق الأجانب وحرياتهم واندماجهم الاجتماعي.
ويضمن هذا الإجراء، بحسب القانون الإسباني، دراسة حالة كل شخص على حدة، والتحقق من هويته، وتوفير محام ومترجم لمن لا يتحدث الإسبانية، والنظر في طلبات الحماية الدولية أو الظروف الخاصة التي تحول دون الإعادة.
وعلى السلطات اتخاذ القرار خلال مهلة قانونية لا تتجاوز 72 ساعة، أو طلب إذن قضائي بإيداع الشخص في مركز احتجاز مخصص للأجانب إذا تعذر تنفيذ الإعادة ضمن تلك المهلة. ومن ثم، فإن الحكم غيّر آلية التعامل مع المهاجرين القادمين سباحة، لكنه لم يحظر ترحيلهم أو يمنحهم إقامة قانونية.
وتؤكد صياغة قانون الأجانب المنشورة في الجريدة الرسمية الإسبانية أن نظام الرفض الخاص بسبتة ومليلية يتعلق بمن يحاولون تجاوز عناصر الاحتواء عند الخط الحدودي، مع وجوب احترام قواعد حقوق الإنسان والحماية الدولية.
من قضية فردية إلى موجة جماعية
صدر الحكم على خلفية قضية مهاجر جزائري أعادته السلطات إلى المغرب بعد اعتراضه في البحر عام 2024، من دون إخضاعه للإجراء الإداري المعتاد. وأيدت المحكمة العليا في جوهرها أحكاما سابقة رأت أن الاعتراض في البحر لا يندرج ضمن الحالات التي تتيح الإعادة الفورية عند السياج الحدودي.
غير أن السياق القانوني للقضية غاب إلى حد كبير عن المنشورات المتداولة، وحل محله تفسير مبسط ومضلل يصور القرار على أنه فرصة استثنائية لدخول أوروبا.
أكثر من ألف منشور خلال 23 يوما
أظهر تحليل أجرته منصة التحقق الإسبانية «مالديتا» أن أكثر من 1170 منشورا باللغة العربية تناول الحكم ومدينة سبتة على فيسبوك خلال 23 يوما، وجمعت هذه المنشورات أكثر من 150 ألف تفاعل و14 ألف تعليق، فضلا عن أكثر من 7 آلاف إعادة نشر داخل ما يزيد على 200 مجموعة.
وفي 30 يوليو/تموز، وهو اليوم الذي شهد ذروة العبور، تكرر نص مضلل واحد أكثر من 215 مرة، مستحوذا على نحو 19.5% من المنشورات التي حللتها المنصة. كما نُشر أكثر من نصف المحتوى المرصود خلال ذلك اليوم وحده.
وبحسب تحليل «مالديتا»، ركزت تلك المنشورات على منع «الإعادة الفورية»، لكنها أغفلت الإجراء القانوني اللاحق الذي يمكن أن ينتهي بإعادة المهاجر. ووصل بعضها إلى الإيحاء بأن إسبانيا تحتاج إلى اليد العاملة، وأن من يصل إلى سبتة سيضمن البقاء فيها.
مقاطع الاحتفال تعطي دفعة جديدة
لم يقتصر تأثير المحتوى الرقمي على التفسير المضلل للحكم. فقد ساهمت مقاطع بثتها وسائل إعلام إسبانية، وظهر فيها شبان وصلوا إلى سبتة وهم يبتسمون ويرفعون شارة النصر، في تعزيز الانطباع بأن رحلة العبور سهلة وناجحة.
وفي 28 يوليو/تموز، نشر موقع «إلفارو دي سبتة» المحلي تقريرا يظهر شابتين مبتلتين تسيران في شوارع المدينة بعد وصولهما سباحة. ورغم أن التقرير كان يهدف إلى إبراز الضغط المتزايد على سبتة، قال مهاجرون إن المشاهد شجعت مزيدا من الأشخاص على خوض الرحلة.
وفي اليوم التالي، نشر مؤثرون يتابعهم عشرات الآلاف مقاطع توثق محاولاتهم الوصول سباحة، مستخدمين بدلات الغوص وأطواق النجاة. وتحولت الرحلة بذلك إلى «ترند» رقمي يتكرر ويغذي نفسه: كل وصول مصور يشجع محاولة جديدة، وكل محاولة تحصد مشاهدات إضافية.
فيديوهات قديمة وطرق عبور مزعومة
تزامن ذلك مع تداول مقاطع قُدّمت على أنها توثق العبور إلى سبتة، قبل أن يتبين أن بعضها صُور في أماكن وأوقات مختلفة. ومن بين تلك المقاطع فيديو شاهده الملايين لشاب يسبح حاملا عصا تصوير، زعمت منشورات أنه يتجه نحو سبتة، بينما كان المقطع مصورا في مدينة على الساحل الأطلسي المغربي في وقت سابق من يوليو/تموز.
كما رصد محلل أمني إسباني مجموعتين عامتين على تطبيق واتساب، يديرهما رقمان جزائريان ويضمان نحو 3700 عضو، كانتا تتداولان إرشادات بشأن طرق الوصول إلى المدينة ورسائل تحث على التحرك سريعا. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من هوية القائمين على المجموعتين اللتين حُذفتا لاحقا.
وانتشرت بالتوازي معلومة زائفة أخرى تزعم أن برنامج إسباني لتسوية أوضاع المهاجرين سينتهي في 30 يوليو/تموز، في محاولة لإضفاء طابع عاجل على الدعوات إلى العبور. لكن البرنامج كان موجها إلى مهاجرين موجودين أصلا في إسبانيا منذ خمسة أشهر على الأقل قبل نهاية عام 2025، ولم يكن الوصول الجديد إلى سبتة كافيا للاستفادة منه.
بين التضليل وشبكات التهريب
اتهم مسؤولون مغاربة وإسبان شبكات الاتجار بالبشر باستغلال الحكم القضائي والمعلومات المضللة لتشجيع الهجرة غير النظامية. غير أن تحديد المسؤولية المباشرة عن جميع المنشورات ظل صعبا، بعدما حُذفت مجموعات ومقاطع عديدة وتعذر التحقق من تواريخ نشر بعضها أو هوية الجهات التي تقف خلفها.
وهكذا، تداخلت القراءة المبتورة لنص قانوني مع قوة الصورة وسرعة الانتشار الرقمي، فتحول حكم يهدف إلى ضمان الإجراءات القانونية الفردية إلى وعد زائف بفتح الحدود.
وبينما قدمت المقاطع لحظات الوصول بوصفها انتصارا، حجبت عن الراغبين في العبور مخاطر الغرق والتدافع والجوع، كما حجبت حقيقة قانونية أساسية: بلوغ سبتة لا يعني الحصول على الإقامة، ومنع الإعادة الفورية لا يعني إلغاء الترحيل.
وبذلك لم تعد المعلومات المضللة مجرد محتوى عابر على المنصات، بل تحولت إلى عامل مباشر في أزمة إنسانية عابرة للحدود، دفع أكثر من 80 شخصا حياتهم ثمنا لها، وفقا للحصيلة الرسمية التي أوردتها رويترز.





