Connect with us

Hi, what are you looking for?

الشرق الأوسط

100 يوم من الحرب على إيران: جمود استراتيجي وجبهات مفتوحة ولا أفق قريباً للسلام

بعد مرور مئة يوم على اندلاع المواجهة العسكرية الواسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى، يبدو المشهد أقرب إلى حرب استنزاف مفتوحة منه إلى عملية عسكرية خاطفة يمكن حسمها سريعاً. فقد تحولت الضربات الأولى التي قُدمت في بدايتها باعتبارها عملية محدودة الأهداف إلى صراع إقليمي معقد، تتداخل فيه الجبهات العسكرية مع حسابات الطاقة والاقتصاد والدبلوماسية والأمن العالمي.

ورغم التفوق الجوي والتقني الذي تمتلكه واشنطن وتل أبيب، فإن إيران أظهرت قدرة على امتصاص الضربات والرد عبر شبكة حلفائها الإقليميين، مما جعل الحرب تمتد من العمق الإيراني إلى لبنان والخليج وممرات الطاقة الدولية. ومع غياب مؤشرات جدية على تسوية قريبة، تدخل المنطقة مرحلة شديدة الخطورة تتراجع فيها فرص الحل السياسي مقابل تصاعد منطق الاستنزاف المتبادل.

من الضربة الخاطفة إلى حرب مفتوحة

بدأت المواجهة بسلسلة ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت منشآت عسكرية ونووية واتصالاتية داخل إيران، في محاولة لإضعاف قدرات طهران الاستراتيجية وإجبارها على القبول بشروط تفاوضية أكثر صرامة.

غير أن هذه الضربات، بدلاً من أن تفتح طريقاً سريعاً نحو الحسم، دفعت إيران إلى توسيع دائرة الرد، عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة وفتح جبهات ضغط متزامنة بواسطة حلفائها في المنطقة.

وهكذا انتقلت الحرب من مواجهة مباشرة محدودة إلى صراع متعدد الساحات، تستخدم فيه كل جهة أدواتها العسكرية والسياسية والاقتصادية لتحسين موقعها التفاوضي أو منع الطرف الآخر من إعلان النصر.

لبنان يدفع الفاتورة الأثقل

رغم أن إيران تقع في قلب الصراع، فإن لبنان تحول إلى الساحة الأكثر هشاشة والأكثر كلفة إنسانياً.

فالتوسع الإسرائيلي في العمليات البرية والجوية جنوب لبنان وفي بعض المناطق الحيوية أدى إلى موجات نزوح واسعة، وتسبب في تدمير قرى وبلدات ومرافق مدنية، وسط مخاوف من انهيار ما تبقى من البنية الاجتماعية والاقتصادية في بلد يعاني أصلاً من أزمات مالية وسياسية عميقة.

وتكمن خطورة الجبهة اللبنانية في أنها لم تعد مجرد ساحة دعم أو ضغط مرتبطة بحزب الله، بل أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الحرب نفسها. فإيران تربط أي تهدئة شاملة بمصير هذه الجبهة، بينما تسعى أطراف لبنانية ودولية إلى منع تحول لبنان إلى ساحة تصفية حسابات مفتوحة.

الدبلوماسية في مأزق

وصلت جهود الوساطة الدولية إلى مرحلة شديدة التعقيد، إذ لا يبدو أن أياً من الأطراف مستعد لتقديم تنازلات جوهرية.

فطهران ترفض وقفاً لإطلاق النار لا يشمل حلفاءها ولا يضمن تخفيف الضغط العسكري والاقتصادي عنها، بينما تصر واشنطن وتل أبيب على أن أي تهدئة يجب أن ترتبط بقيود واضحة على البرنامج النووي الإيراني وقدرات طهران الصاروخية وشبكاتها الإقليمية.

هذا التباعد جعل المبادرات الدبلوماسية تدور في حلقة مفرغة، حيث تزداد الحاجة إلى تسوية شاملة، بينما تتراجع القدرة السياسية على إنتاجها.

واشنطن بين كلفة الحرب وضغط الداخل

في الولايات المتحدة، بدأت الحرب تفرض كلفتها السياسية والمالية على إدارة الرئيس دونالد ترامب.

فمع ارتفاع الإنفاق العسكري واتساع رقعة العمليات، تتزايد الانتقادات داخل الكونغرس بشأن غياب تفويض واضح وطول أمد المواجهة. كما يضغط الرأي العام الأمريكي، الذي تلقى وعوداً بعملية محدودة وسريعة، باتجاه معرفة حدود الحرب وأهدافها النهائية.

وتزداد الضغوط مع تأثير الحرب على أسواق الطاقة ومضيق هرمز، حيث يؤدي أي تهديد للملاحة في الخليج إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل وأسعار الوقود عالمياً، ما يجعل الحرب الإيرانية قضية داخلية أمريكية بقدر ما هي أزمة شرق أوسطية.

كأس العالم مثالاً على امتداد تداعيات الحرب

لم تبق تداعيات الحرب محصورة في الجبهات العسكرية وأسواق الطاقة. فقد بدأت آثارها تظهر حتى في ملفات ناعمة مثل الرياضة والدبلوماسية العامة.

وتبرز بطولة كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، كنموذج واضح على تعقيدات الحرب. فمشاركة إيران في البطولة تطرح إشكالات أمنية وتأشيرية وتنظيمية غير مسبوقة، في ظل القيود الأمريكية المرتبطة بالسفر والعقوبات والتوتر العسكري المباشر.

وتعكس هذه الأزمة كيف يمكن للحروب الكبرى أن تعطل مظاهر العولمة حتى في أكثر المجالات ابتعاداً ظاهرياً عن السياسة، مثل كرة القدم، حيث تتحول التأشيرات والتنقلات والبروتوكولات الأمنية إلى ملفات تفاوضية شائكة.

حرب بلا منتصر واضح

بعد مئة يوم، لا تبدو أي من القوى المتصارعة قادرة على إعلان نصر حاسم.

فالولايات المتحدة وإسرائيل تمكنتا من إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، لكنهما لم تنجحا في كسر قدرة طهران على الرد أو تعطيل شبكاتها الإقليمية بالكامل.

وفي المقابل، استطاعت إيران إطالة أمد المواجهة وتهديد ممرات الطاقة وتحريك جبهات متعددة، لكنها تدفع ثمناً باهظاً على مستوى البنية التحتية والاقتصاد والضغط الشعبي الداخلي.

وبين هذين المسارين، تبدو المنطقة عالقة في حرب استنزاف قد تطول أكثر مما توقعه صانعو القرار في بدايتها.

خاتمة

تكشف الأيام المئة الأولى من الحرب على إيران أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة من الصراعات المركبة، حيث لم تعد الحروب تُحسم بضربة جوية أو تفوق تقني، بل تُدار عبر جبهات ممتدة وشبكات إقليمية وممرات طاقة وحسابات داخلية معقدة.

ومع استمرار غياب الثقة بين الأطراف، وتراجع قدرة الوسطاء على فرض تسوية شاملة، قد تكون المئة يوم الأولى مجرد فصل افتتاحي لصراع أطول وأكثر كلفة. فالحرب التي بدأت بهدف تغيير ميزان القوة في الإقليم قد تتحول، إذا استمرت بلا أفق سياسي، إلى أزمة مفتوحة تعيد تشكيل المنطقة وتدفع شعوبها ثمناً إنسانياً واقتصادياً باهظاً لسنوات مقبلة.

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You May Also Like

الشرق الأوسط

لا يزال الحديث عن جماعة “الأحباش” الدينية في الأردن وتمددها وصعودها يثير العديد من التساؤلات عن حقيقة تلك الجماعة بين الفينة والأخرى، فمن هي...

غرب إفريقيا والساحل

كشفت جماعة نصرة الإسلام و المسلمين في مالي مقتل 70 مسلحا ممن وصفتهم بالخوارح، في إشارة إلى ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وذلك...

Uncategorized

مازالت ليبيا تعاني من حالة عدم استقرار سياسي وأمني مزمنة، في ظل تنافس واضح بين حكومات متنازعة وميليشيات مسلحة تدعمها قوى إقليمية ودولية مختلفة....

إفريقيا

أكد والي ولاية كيدال عن تنظيم جماعة نصرة الاسلام و المسلمين، سيدن أغ هيتا، المعروف حركيا باسم عثمان القيرواني، أن من أهم الأسباب التي...